الدين والحياة

صناعة الإسلاموية.. كل ما تريد معرفته (الحلقة الأولى)

الدار/خاص: حكيم القروي (ترجمة: حديفة الحجام)

 

الإسلام مرة أخرى! بعد إصدار تقرير أول سنة 2016 حول الإسلام في فرنسا، وتقرير ثاني سنة 2017 حول سياسة فرنسا العربية، ها هو معهد مونتين يصدر ثالث مؤلفاته تحت إدارتي، مخصصا –ليس في الإسلام– للإسلاموية. فما السبب في هذا الاختيار؟ لأن الموضوع هو الآن في قلب الأحداث الفرنسية والأوربية –و أحيانا يعرّف بالعبارة الملطفة "الطائفية"– ومن المفارقة أنه ما زال غير معروف بما فيه الكفاية. كما أن مفاهيمه معقدة وألفاظه أجنبية ومحفزاته قليلة الوضوح، إضافة إلى تميز القوى الأخلاقية المحركة لهذه الإيديولوجية بصعوبة استيعابها، سواء لدى العموم أو حتى المتخصصين ممن ينتقد بعضهم بعضا ولا يرون من الموضوع في الغالب الأعم إلا أحد أوجهه دون الأخرى.

إن الدافع وراء هذا العمل بسيط جدا، ويتمثل في توضيح وفهم سلسلة النقل في مجموعها، من صناعة تأويل هذا العالم إلى الديناميات التي تتيح انتشاره في فرنسا وأروبا. والعمل من هذه الزاوية شمولي ويرمي إلى إظهار عمومية الظاهرة والأسئلة الفلسفية التي تطرحها والأماكن التي ظهرت فيها والرجال والنساء الذين يحملونها والشبكات الناشرة له سياسية كانت أو اجتماعية.

ولا يعالج العمل مع ذلك كل المواضيع المرتبطة بالإسلاموية: فبسبب دواعي التحرير، وبالنظر إلى حجم العمل المنتظر للإجابة على سؤالنا الأولي، ارتأينا عدم التطرق إلى بعض المواضيع ولو أنها مرتبطة بالإشكالية ارتباطا وثيقا: كالأسباب ونجاحها (والنقاش المطروح بخصوص مسؤولية هذه الأطراف أو تلك) أو الجهادية والتطرف باسم الإسلام الذي يلصق به دائما (الذي سيكون موضوع عمل ثاني). وبوجه عام، يهدف هذا العمل إلى وصف الدينامية الداخلية المنشأ للإسلاموية ولإيديولوجيتها ونظرتها إلى العالم وكيف تحاول إيصالها والأماكن التي نشأت فيها والآليات الإدارية التي كانت وراء إنتاجها. يتعلق الأمر إذا هنا بدراسة الإسلاموية، أكثر من الإسلاميين، رغم أننا سنورد بورتريهات أهم الفاعلين فيه. كما سنحاول قياس درجة جمهور هذه الإيديولوجية، سيما في فرنسا. أما نقطة انطلاقنا فستبدأ من أوربا الغربية، سواء فيما يهم علاقتها بأوروبا حيث سندرس الظاهرة الإسلامية أو حتى طموحها الإيديولوجي وأنظمة إنتاجها في كل من المملكة العربية السعودية وتركيا ومصر أو إيران. وسنحاول عبر هذا العمل تحميل مجموع دوائر الانتشار من أجل فهم الوضع الحالي في أوربا عموما وفي فرنسا على وجه الخصوص.

ما هي الإسلاموية؟ هذا السؤال دقيق ويثير الكثير من الجدل. أولا وقبل كل شيء لأن الغالبية العظمى ممن نطلق عليهم الإسلاميين لا يعترفون بهذا المصطلح أصلا. فقد علم الخارجون من رحم الإخوان المسلمين أو المقربون منهم، منذ زمن بعيد، بخطورة إعلان انتمائهم لهذه الحركة. وحتى السلفيون أنفسهم يوضحون أنهم يدافعون عن رؤية دينية وليس عن توجه سياسي. إلا أن الفريقين يتحدان مع ذلك في القول إن الإسلاموية لا وجود لها، وإن الإسلام هو وحده الموجود –استمع لتفسيرهم إن أردت– وبأن من يقومون بهذا التقسيم هم مسلمون سيئون وجهلة أو كارهون للإسلام خطيرون عليه.

وغالبا ما يأخذ المحللون والمختصون في السياسة والدبلوماسيون وعناصر أجهزة المخابرات وغيرهم بهذا التقسيم ويتحدثون من جهة عن "الإسلام السياسي"، إسلام جماعة الإخوان المسلمين ومن يدورون في فلكها التي تهدف إلى أسلمة السلطة الدنيوية أو المدنية، وبالتالي التفاوض معه، على غرار نموذج الإخوان المسلمين في مصر؛ ومن جهة أخرى يعترفون بأن السلفية لا تهتم في الغالب الأعم بالعمل السياسي، باستثناء نسخته الثورية"، أي الجهادية، التي يصعب إنكار تأثيرها السياسي.

ولا يتأسس عملنا هنا على هذا التقسيم المنهجي، فنحن نرى أن كل الإسلاميين يشكلون مع اختلافهم ما يمكن أن نطلق عليه إسلاموية تمثل، وبغض النظر عن الاعتقاد الديني والروحاني الشخصي، تأويلا للعالم ونظرة لتنظيم المجتمع، بما فيه العالم المدنس، بالإضافة إلى دور الدين في ممارسة السلطة. ومن هذا المنظور الثلاثي –تأويل العالم والتنظيم الاجتماعي والعلاقة بالسلطة–، يظهر أن الأمر يتعلق بإيديولوجية سياسية معاصرة. ولا يفهم الإسلاميون المنتمون إلى هذه الرؤية المجتمعية الثلاثية الأدوار للدين من الإسلام غالبا إلا مبادئ دينية هي وليدة تأويلات متشددة نادى بها من نطلق عليهم الإسلاميين المناضلين منذ قرن من الآن.

ولئن وجدت اختلافات إيديولوجية مهمة بين الوهابيين والإخوان المسلمين، فتينكما المجموعتين تحاولان جعل الإسلام إطارا منظما للحياة ومشروعا للفرد وللمجتمع. إذا الأمر يتعلق بمشروع كامل يهدف إلى تقنين وتعيير العلاقات الاجتماعية المتمثلة في العلاقة بين الرجال والنساء، ومعايير الأكل (الحلال)، والمبادئ الاقتصادية (المالية الإسلامية) أو العلاقة مع الآخر (الولاء والبراء الذي يمثل بالنسبة للوهابيين الفصل بين المسلمين وغير المسلمين). وتعتبر هذه الرغبة في وضع المعايير شأنا سياسيا بامتياز، فهي تؤطر الخصائص المميزة للسلطة الشرعية وتنظم الحياة داخل المدينة، إلا أن علاقتهم بالسياسة ليست وحدها ما تهم، وإنما تأثيرهم السياسي هو الآخر. وهو تأثير واضح لدى الإخوان المسلمين الذين يرغبون في التفاوض مع السلطة والحصول عليها أحيانا. وهو مهم كذلك بالنسبة للسلفيين، بمن فيهم أولئك الراغبين في تشييد سور من الطهر بينهم وبين المجتمع: هذا السور، أي الفصل، المادي أو الرمزي، له تأثير سياسي كبير. إن السياسية تهتم في المقام الأول بالحياة داخل المجتمع، قبل طرح قضية الوصول إلى السلطة.

ولقد سبق وقلنا إن الإسلاموية غير معروفة بطريقة جيدة، ولهذا فالعمل الذي بين أيدينا يطمح إلى التعريق بها أكثر، بالاعتماد على مصادر وثائقية متنوعة. بداية وبطبيعة الحالة من داخل الأدبيات الأكاديمية الغنية والوافرة، حيث جرى، في إطار هذا العمل، الاطلاع على أزيد من مئتي مؤلَّف وتقرير علمي، باللغات الإنجليزية والعربية والفرنسية والألمانية، إضافة إلى لواذ ست مئة استجواب مع فاعلين مؤسساتيين وجمعويين ودينيين ومن مؤسسات سجنية ومواطنين في ثمانية بلدان في العالم العربي وأروبا.

وقمنا في نهاية المطاف بعمل متعمق في تحليل المعطيات الفلكية المجمّعة من تويتر وفيسبوك همّت أصل ودرجة تردد المحتويات الإسلامية على الشبكات الاجتماعية. هذه المعطيات مكّنت من وضع هيكلة لشبكة نشر الإيديولوجية الإسلامية على الشبكات الاجتماعية والانترنت.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

1 × اثنان =

زر الذهاب إلى الأعلى