الرأي

الجزائر وحرب ليبيا.. بوتين و”تقاسم العبء” مع إردوغان؟

زهير داودي*

تبعا لمقالنا الأخير المعنون ب: “الجزائر: ماذا بعد الخروج الإعلامي الرسمي الأول لشنقريحة؟”، (المنشور في موقع “الدار” يوم 2 يناير 2020)، سنحاول في هذه المادة التحليلية تسليط الضوء على آخر مستجدات المشهد الجزائري وتبعاتها على المستويات الداخلية والإقليمية والدولية.

* تبون و”حكومته”: صراع ما بعد الرئاسيات.. والحوار؟

قام “الرئيس المؤقت” للجمهورية، عبد المجيد تبون، يوم الخميس (2 يناير 2020) بتعيين أعضاء الحكومة الجديدة (39 عضوا) التي يقودها الوزير الأول عبد العزيز جراد، وهي حكومة أقل ما يقال عنها أنها “حكومة مكافآت وليس حكومة كفاءات”، ولم يكن لخروجها أي أثر يذكر مثلما لم يكن لانتخاب “الرئيس المؤقت” أي وقع سواء في الشارع الجزائري أو لدى قادة العالم.
نحن، إذن، بصدد عمليتين فارغتين شكلا ومضمونا ومطعون في شرعيتهما، ولن يكون لهما في القريب العاجل أي دور كما سبق وقلنا بعد استنفاذ وسائل “الحوار” بين القيادة الشابة للجيش وقوة الشارع. وستنصب المجهودات حاليا على إنجاح هذا “الحوار” من خلال اللجوء إلى ميكانيزمات جديدة، ولكن بأطراف قديمة ممثلة في شخصيات تبوأت ولا تزال تتبوأ مناصب المسؤولية، وسيكون للقيادة الشابة للجيش دور مباشر في هذه العملية بعد أن تم سد الطريق على اللواء سعيد شنقريحة حتى لا يتقلد منصب “نائب وزير الدفاع”؛ وهنا نرجع إلى نص البلاغ الأول الصادر عن “الرئيس المؤقت”، والذي أعلن فيه تشكيل الحكومة من دون أن يشير إلى “منصب وزير الدفاع ونائبه”؟
إستنادا إلى هذا المعطى الملموس، لن يكون هناك اتصال مباشر في إطار التضامن الحكومي بين شنقريحة قائد الأركان بالنيابة (هذه هي صفته الوظيفية الرسمية) و”الحكومة”، وهو وضع مختلف تماما عما كان عليه الأمر خلال فترة الراحل أحمد قايد صالح الذي يبدو أن تواجده في الحكومة أثر سلبا على “الخطة الأصلية” بعد التضارب المسجل من خلال الإنقسام الحاد في دعم المرشحين لرئاسة الجمهورية.
وقد تم حسم هذا الإنقسام بغلبة كفة (قايد صالح/تبون) على حساب كفة (واسيني بوعزة ومحمد قايدي/ميهوبي). وتكفي الإشارة إلى الحملة التي صار موضوعها الجنرال واسيني (مدير الأمن الداخلي)، والتي وصلت إلى حد نعته ب”الخائن” و”المسؤول” عن كل ما آلت إليه الأوضاع في البلاد، وهو ما يجدد فرضية ما ذهبنا إليه سابقا من إمكانية حدوث انقلاب عسكري سيشمل عزل شنقريحة.
إن المتتبع لشأن المؤسسة العسكرية الجزائرية حاليا، سيلاحظ تواري رموزها وعدم ظهورها بمظهر الماسك الحقيقي بزمام الأمور، وذلك حتى لا تتعرض هذه الرموز للهجوم المباشر سواء من حركية ويقظة ضمير قوة الشارع أو ممن يرفضون أي تدخل لمؤسسة الجيش في الحكم، ولعلهم بذلك استفادوا من التجربة المصرية الفاشلة التي سيطر فيها المشير السيسي والقادة العسكريون على كل المشهد السياسي والإعلامي بشكل مستفز ومفرط.
هذا الصراع الذي بدأت تجلياته بشكل ملموس مباشرة بعد الإعلان عن “فوز” تبون في الإنتخابات الرئاسية (12 دجنبر 2019)، والحملة الإعلامية الشرسة الموجهة ضد الجنرالين واسيني وقايدي، مرشح لمزيد من التصعيد حيث ستحمل الأيام المقبلة أشكالا أخرى لهذا الصراع بين الثنائي (واسيني/قايدي) والجناح المناصر لتبون الذي أصبح يتيما بعدما فقد كفيله و”مرشده الأعلى” قايد صالح في توقيت سياسي أقل ما يقال عنه أنه صعب.

* القيادة العسكرية الجزائرية واستغلال الورقة الليبية؟

لا يمكن الحديث عن الشأن الداخلي الجزائري بمعزل عن التطورات الإقليمية والدولية. فعلى المستوى الإقليمي، ومع استمرار دق طبول الحرب في الجارة ليبيا، وتهديد عبد الفتاح السيسي بالدخول فيها من خلال الحملات الإعلامية المتشنجة أو من خلال المناورات العسكرية البحرية الأخيرة في المياه الإقليمية المصرية، فإن الأمور توشك أن تتطور بسرعة في الجزائر في ظل الغموض الذي يشوب موقفها الرسمي بعد إستقبال تبون، يوم 6 يناير الجاري، لفايز السراج رئيس حكومة الوفاق الوطني الليبية المعترف بها من طرف الأمم المتحدة. كيف ذلك؟
إن إعلان امتناع القيادة العسكرية الجزائرية عن الدخول في أتون حرب ليبيا، والذي أُمِرَ “الرئيس المؤقت” بإبرازه في بيان الرئاسة الصادر بعد اللقاء مع فايز السراج، لا يعني أن الجزائر لن تكون طرفا فيها إذا ما طُلِبَ منها ذلك أو اضطرت إلى ذلك بفعل تجاوز الحرب لرقعتها الجغرافية لتطال الجوار.
وستكون المشاركة أو عدم المشاركة بمثابة “ورقة” لا شك سيتم استغلالها في الوقت المناسب من أجل إحراز تقدم على الساحة الداخلية في ما يخص الصراع الدائر، ومآلات المرحلة المقبلة في علاقتها بالحراك الشعبي السلمي الذي يطالب بتغيير جذري للنظام القائم.
على المستوى الدولي، ليس خفياً الصراع الروسي – الأمريكي الذي يجري حاليا على أساس المصالح وليس على أساس الإيديولوجيا كما كان عليه الأمر خلال مرحلة الحرب الباردة، فالروس يترقبون الوضع بدقة متناهية وبحسابات مضبوطة… والجزائريون يُبَلِّغُونَهُم بكل التفاصيل، ولنا في اللقاء الذي طلبه رئيس الدولة المؤقت عبد القادر بن صالح من أجل “التباحث” مع فلاديمير بوتين ما يؤكد “علاقة التبليغ”، وكلنا يعلم عملية تسريب مداخلة بن صالح التي تحمل الكثير من الإذلال والإهانة للشعب الجزائري ولنظامه، وهو يردد بصوت خجول أمام بوتين (الخميس 24 أكتوبر 2019): “فخامة الرئيس، إذا كنت قد طلبت منكم هذه المقابلة، فالغاية التي أسعى من ورائها هي أنني أريد أن أطمئنكم بأن الوضع في الجزائر متحكم فيه”؟!!

* مصير حفتر.. روسيا.. وأهداف تركيا في شمال إفريقيا؟

إن حوض البحر الأبيض المتوسط كان ولا يزال يغري الروس بعد انفرادهم المطلق بقاعدة “طرطوس” السورية (القاعدة البحرية الروسية الوحيدة على المتوسط)، وتحركهم بغواصاتهم بكل حرية وثقة في النفس. كما أن التقارب بين موسكو وأنقرة، سيجعل الدب الروسي يتدخل، ولو لوجيستياً، من أجل الحفاظ على مصالحه الإستراتيجية دون الزج بالمنطقة في حرب طاحنة.
في هذا الإطار، نعتقد أن هدف الأتراك سيكون مركزا على إزاحة اللواء المتقاعد خليفة حفتر، وكيل التحالف الثلاثي (الإماراتي/السعودي/المصري) في ليبيا، إما باغتياله أو القبض عليه، وأن الحرب لن تتطور إلى أكثر من هذا الهدف.
إن الخطر في ليبيا في نظر الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، سيتبدد بالقضاء على حفتر، وهذا من شأنه ترجيح كفة الشرعية الدولية التي تحوزها حكومة الوفاق الوطني المستقرة في العاصمة طرابس. وبالتالي، سيتم فرض سياسة الأمر الواقع، واستفراد “جناح طرابس” بالحكم، وبسط السيطرة على كافة التراب الليبي.
كما أن انتصار الأتراك في ليبيا سيكون، ولا شك، حافزا كبيرا لإردوغان من أجل التمدد إلى تونس عبر دعم كل من حزب “حركة النهضة” الإسلامي ورئيس الجمهورية قيس سعيد الذي أظهر، من خلال مواقفه المعلنة وإفراطه في التغريد اليومي على “تويتر”، تنسيقه الواضح مع “جماعة الإخوان المسلمين” وخاصة بعد انتقاداته اللاذعة والقوية للمشير السيسي إثر تفجر فضيحة “بناء قصور السيسي الرئاسية”.
تونس وليبيا سَتُكَوِّنَانِ “جبهة” للأتراك لمحاربة نظام السيسي، واستقطاب الجيران وعلى رأسهم الجزائر بمساعدة روسية، قصد محاصرة المحور الثلاثي (الإماراتي/السعودي/المصري) وسد الطريق على مخططاته المعلنة من أجل القضاء على “الإخوان المسلمين”، علما أن الأتراك ما لبثوا يهددون بمراجعة علاقاتهم مع الولايات المتحدة الأمريكية، وفك الإرتباط مع حلف شمال الأطلسي “الناتو”، وتقوية التحالف متعدد الأبعاد والمصالح الكبرى مع الروس مما سيكون له الأثر الإيجابي على تواجد الأحزاب الإسلامية المرتبطة بتنظيم “الإخوان المسلمين”…؟!
ونعتقد، في هذا السياق، أن الأمور ستسير بالشكل الذي يضمن مصالح المتدخلين بدقة بالغة، والدخول العسكري للأتراك إلى الجغرافية الليبية ما هو إلا بداية جديدة لتشكل منطقة جديدة عنوانها الكبير يتجلى في ما يمكن تسميته ب”قياس المصالح الإستراتيجية بالميليمترات”.
وبهذا المعنى، فإن الوافدين الجديدين على الساحة الليبية (روسيا وتركيا)، سيكون من مصلحتهما تأسيس قطب إقتصادي متكامل تحت مسمى “المغرب العربي الكبير”، والسعي الإيجابي والفعال من أجل حل المشاكل التي تعوق تشكل هذا القطب مما يؤشر على تدخل أكثر إيجابية لروسيا في قضية الصحراء المغربية، والدفع في اتجاه تقارب بين المغرب والقيادة التي ستتشكل في الشقيقة الجزائر بعد التخلص من النظام القائم منذ استقلال البلاد عام 1962.
والواقع أن تدشين إردوغان وبوتين رسميا، يوم الأربعاء (8 يناير2020) في إسطنبول، خط أنابيب الغاز (تورك ستريم) الذي يسمح لروسيا بزيادة إمداداتها من الغاز إلى تركيا وأوروبا من دون المرور بأوكرانيا، يرمز إلى علاقتهما الشخصية القوية وتقاربهما الإستراتيجي في ظل التوتر إزاء النزاع في كل من سوريا وليبيا.
وعندما يقول بوتين لإردوغان إن “الشراكة بين روسيا وتركيا تتعزز في كل المجالات رغم جهود من يعارضونها”، فهذا ينسحب على تطورات الساحة الليبية بما يوضح أنهما سيحاولان “تقاسم العبء الليبي”، وتدارك خسائرهما بعد استفراد قوى إقليمية وأوروبية بليبيا مباشرة بعد إسقاط نظام معمر القذافي.
الترقب، في اعتقادنا، يجب أن ينصب على منطقة شمال إفريقيا وليس على منطقة الخليج وإيران، إذ يبدو أن تصفية الجنرال قاسم سليماني، قائد “فيلق القدس” الإيراني، لن تكون له تبعات جمة على اندلاع حرب أو نشوب نزاع قوي وعميق، فالبعض يرى أن سليماني تم التخلص منه ربما ب”نيران صديقة” خاصة بعد أن تم الكشف عن أن الطائرة المسيرة التي استهدفته في مطار بغداد انطلقت من سوريا بشار الأسد، وأن الرجل ربما أخذ حجما أكبر بدأ يقلق القيادة الإيرانية وخاصة التيار المعتدل.
وما النداء الموجه من طرف زينب، إبنة سليماني، إلى عمها حسن نصر الله، أمين عام حزب الله اللبناني، ليأخذ بثأرها من قتلة أبيها إلا إشارة إلى أنها لا تعول كثيرا على دموع المرشد الأعلى علي خامنئي وهو يبكي في جنازة أبيها.
بعد ضربات صاروخية إيرانية على قاعدتين يتمركز فيهما جنود أميركيون في العراق، ردا على تصفية سليماني، قال ترامب: “كل شيء على ما يرام.. لم نخسر أي أرواح أميركية أو عراقية “، ورد عليه جواد ظريف وزير خارجية إيران: “لا نريد الحرب أو التصعيد”!!
أليس كل ما حدث مجرد فيلم هوليودي أمريكي/إيراني تم تصويره في العراق؟

*صحافي وباحث في العلاقات الدولية

الوسوم
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق