الدين والحياةسلايدر

مدارات رمضانية يكتبها للدار منتصر حمادة

ورطة أهل الخطاب الديني والفكري في القول السياسي

منتصر حمادة

إلى غاية نهاية 2010، كانت سمعة الشيخ يوسف القرضاوي طيبة في العالم الإسلامي برمته، وزلت أتذكر أنني نشرت مقالة في صحيفة “القدس العربي” اللندنية، أتحدث فيها عن مرجعية العديد من الأسماء في العالمين السني والشيعي، وتوقفت عند عدة أسماء، منها يوسف القرضاوي عن العالم السني والراحل محمد حسين فضل الله، عن العال شيعي، وأسماء أخرى. (من باب التذكير، نتحدث هنا عن صحيفة “القدس العربي” في حقبة تولي عبد الباري عطوان إدارة المنبر، ولا نتحدث عن الصحيفة ذاتها اليوم، أي في حقبة ما بعد يناير 2011، لأنها أصبحت محسوبة على أحد محاور الساحة، وبالتحديد المحور القطري ـ التركي ـ الإخواني).

وما جرى مباشرة بعد يناير 2011، أي مباشرة بعد اندلاع أحداث “الفوضى الخلاقة” أو “الربيع العربي”، أن القرضاوي ورّط نفسه في الإدلاء بمواقف سياسية.

نظرياً، لا يمكن لوم أي داعية ديني، أو داعية فكري، أو داعية إعلامي… إلخ، على الإدلاء بمواقف سياسية، ولو من باب ما يُصطلح عليه في التراث الإسلامي بـ”النصيحة الشرعية”.

ولكن عملياً، هناك معضلة كبيرة، حيث اتضح أن المشكل مع القرضاوي، كون ما صدر عنه، تجاوز مقام “النصيحة الشرعية”، وأصبح يوزع الفتاوى على الأنظمة السياسية في المنطقة بالتحديد، ويُفرق بين “ربيع حلال” و”ربيع حرام” إن صح التعبير، ولا زال الرأي العام في المنطقة، يتذكر ما صرح به في معرض التعامل مع القذافي، إلى درجة تقديمه ما يُشبه الولاء للجيش الأمريكي بضرورة إسقاط نظام القذافي، وليس صدفة أنه من بين الألقاب التي أطلقت عليه لاحقاً، من قبل بعض نقاده، أنه “مفتي الناتو” (كذا)، وهذا لقب من سابع المستحيلات أن نسمع به، في مرحلة ما قبل اندلاع “الفوضى الخلاقة”، لأن القرضاوي كان بعيداً عن الخوض في قلاقل سياسية معقدة، أو قل بعيداً عن خوض في قضايا بشكل فج واختزالي بالصيغة التي صدرت عنه بعد ذلك المنعطف.

الشاهد هنا، أن سمعة أي داعية (في الدين والفكر والإعلام.. إلخ)، قبل الانخراط في قلاقل العمل السياسي، شيء، والسمعة نفسها بعد فعل الانخراط، شيء آخر، وحتى لو لم يكن منخرطاً في العمل السياسي، فالأمر سيان، أي بمجرد ما يُدلي فيها الداعية (في الدين والفكر.. إلخ)، بموقف سياسي ما.

بما أن الإنسان حرٌ في الاعتقاد، فالأحرى الحرية في الرأي، فعلى هؤلاء، تحمل مسؤولية ذلك، ومن نتائج هذه القاعدة، الابتعاد عن مقام الطهرانية النظرية: فمع الشيخ يوسف القرضاوي مثلاً، اتضح أن سمعته بعد يناير 2011، مختلفة عن سمعته قبل يناير 2011، حتى أصبح الحديث بين الفينة والأخرى عن القرضاوي الداعية الديني، والقرضاوي الفاعل السياسي، مع أن سمعته كانت طيبة في الخطاب الإسلامي المعاصر (الإسلامي لا علاقة له بالإسلاموية)، وكان ممكنا أن تبقى هذه المكانة في نفس المقام وأكثر، ولكن تورطه ــ سواء كان طواعية أو كان تحت إكراه ــ في هذه القلاقل، أساء إلى شخصه (وهو حرٌ في ذلك) وعلمه (وهذا هو بيت القصيد).

واضح أن الظاهرة هنا، لا تهم الشيخ القرضاوي وحسب، وإنما تهم العديد من الدعاة، في الدين والفكر والإعلام.. إلخ.

نقول هذا ونحن نستحضر ورطة أسماء أخرى، نذكر منها طه عبد الرحمن في كتابه الأخير “ثغور المرابطة”، لأنه أدلى بمواقف سياسية، بصرف عن النظر عن مضامينها المؤرقة، خاصة أنها تتقاطع مع مواقف الإسلاميين بشكل عام، وخاصة التيار الإخواني والتيار القتالي، وقس على ذلك لائحة قلاقل يعج بها الكتاب.

وما يثير حسرة أكبر، أن العديد من هذه الأسماء، كانت تفكر بعقل أمة، إن صحّ التعبير، أو لديها هواجس تهم العالم الإسلامي، ولكن هذا الهاجس سيتعرض للاختزال والأفول، وإن صبّ في صالح إيديولوجية ما، سواء كانت دينية أو مادية، فهذه مسألة ثانوية أمام المسألة الرئيسية، وعنوانها الانتقال من مقام التفكير لأحوال أمة إن لم نقل التفكير في أحوال الإنسانية، نحو تمرير مواقف سياسية وإيديولوجية، تهم أحوال إيديولوجية، كما هو الحال مع ورطة الشيخ يوسف القرضاوي بشكل كبير وواضح، بحكم إقامته هناك في الخليج، ورئاسته مؤسسة إسلامية إيديولوجية تسمى “الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين”، وهي مؤسسة منخرطة في صراعات استراتيجية، وتأكد ذلك مع تعيين الداعية الإخواني المغربي أحمد الريسوني، الذي انتقل من الولاء للسعودية في زمن ما، نحو إعلان العداء لها بعد رئاسة المؤسسة، وواضح أن هذه الممارسات، تغذي المسألة أو المعضلة الرئيسية سالفة الذكر، أي انتقال المعني، من مقام التفكير لهموم أو هموم إنسانية (“وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين”. الأنبياء. 106)، نحو مقام التفكير لهموم إيديولوجية ضيقة، وأحياناً طائفية، وشتان ما بين المقامين.

صحيح أن هذه القلاقل، مع حالة الشيخ يوسف القرضاوي (المصري القطري) أو المفكر المغربي طه عبد الرحمن، لا تفيد أنه سيتم صرف النظر عن اجتهادات نظرية مفيدة، صدرت عنهم قبل التورط في هذه المآزق، من قبيل ما صدر عن القرضاوي في معرض نقد وترشيد العمل الإسلامي الحركي، في كتابه “الصحوة الإسلامية بين الجحود والتطرف”، أو ما صدر عن طه عبد الرحمن، في كتبه المخصصة للدفاع عن الأخلاق، من قبيل كتابه “سؤال الأخلاق” أو “دين الحياء”، لولا أن هذا التراكم النافع، يتعرض لما يُشبه التشوه أو الإساءة بسبب أعمال لاحقة، ولو أن الإصدارات المسيئة، كانت في البداية لهانَ الأمر، بمعنى، في حالة طه عبد الرحمن، لو أنه أصدر “ثغور المرابطة” في أولى محطات التأليف، وبعدها تراجع عن تلك المواقف السياسية الاختزالية الواردة في عمله، لهانَ الأمر، وليس العكس.

هذا يُذكرنا، كما أشرنا في مقالة سابقة، بما جرى مع سيد قطب، بين أعماله الأولى وأعماله اللاحقة: لو أن أعمال سيد قطب المتشددة في النظر، كانت في محطة المراهقة، وبعدها جاءت أعماله الأدبية أو حتى الأعمال الفكرية التي تنتصر للتفكر الهادئ والنافع، لهانَ الأمر، بخلاف ما جرى على أرض الواقع، والمأزق نفسه تورط فيه، ولو بشكل نسبي، طه عبد الرحمن مع كتابه “ثغور المرابطة”، لأنه يُقوض الاشتغال المستقبلي على مشروعه، بسبب الرسائل السلبية التي يعج بها هذا الكتاب بالذات، وليس صدفة أن التعامل اللاحق مع أعمال طه عبد الرحمن، عند العديد من متتبعي أعماله، والمشتغلين عليها، مختلف عن تعاملهم في مرحلة ما قبل صدور “ثغور المرابطة”، أقله، أن بعضهم أخذ مسافة نهائية من المشروع، ومنهم من كان يشتغل على تأليف دراسة مثلاً، ولكنه وجد نفسه مضطراً لتحيين مضامين العمل، بسبب مفاجآت “ثغور المرابطة”، هذا إن صدرت الدراسة، كما عاينا فعلاً على أرض الواقع، صرف النظر عن تأليف العمل أو الدراسة أساساً، وقس على ذلك لائحة أمثلة، في المشرق والمغرب، كأن سيناريو سيد قطب والقرضاوي يتكرر بصيغة وأخرى.

ليس صدفة كما أشرنا إلى ذلك من قبل، أن الأقلام الإسلامية الحركية، شرعت في الاشتغال على أعمال طه عبد الرحمن، بوتيرة أكبر، بعد صدور هذا الكتاب، مقارنة مع مرحلة ما قبل صدوره، دون الحديث عن الاحتفاء الإسلامي الحركي بالكتاب، وإشارات أخرى، تذكرنا، مرة أخرى، بالمعضلة الرئيسية سالفة الذكر أعلاه، أي معضلة الانتقال من الاشتغال على قضايا الأمة والإنسانية، من منظور معرفي مركب، نحو تمرير رؤى نظرية اختزالية، تسيء إلى المقام النظري النافع للوطن والأمة والإنسانية.

الوسوم
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق