الدين والحياةسلايدر

مدارات رمضانية يكتبها للدار منتصر حمادة

الدفاع عن المذهب المالكي في المغرب دفاع عن الدولة الوطنية ضد "دولة الخلافة"

منتصر حمادة

تزامن تاريخ البلاغ الصادر عن مؤسسة المجلس العلمي الأعلى، والذي يتضمن رأي المؤسسة بخصوص إقامة صلاة عيد الفطر لهذه السنة في المنازل والبيوت، مع الأخذ بسنية الاغتسال والتطيب والتكبير قبل الشروع فيها، وذلك بالنظر للظروف الراهنة الصعبة التي يجتازها المغرب وغيره من الدول جراء تفشي وباء كورونا، مع نقاش تفاعلي في موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك”، جمع الأستاذ عبد الرزاق وورقية أستاذ الأصول والمقاصد بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس، والباحثة مونية الطراز، شغلت منصب باحثة سابقا في مركز الدّراسات والبحوث في القضايا النّسائيّة في الإسلام التّابع للرّابطة المحمديّة للعلماء بالمغرب، والمشرفة حالياً على ملحق ديني، يصدر كل يوم جمعة في صحيفة “المساء”.

نبدأ بالحدث الأول، حيث كان متوقعاً أن يخرج المجلس العلمي الأعلى بهذا الرأي الخاص بأداء صلاة العيد في الفطر بالمنازل، مستهلاً الرأي بالإشارة إلى أن الأمر يتعلق بإحدى “شعائر دين الله وسننه الإسلامية الراسخة”، متوقفاً عند مشروعية إقامتها في المنازل والبيوت على سبيل السنية، استلهاما لما جاء في اجتهادات بعض علماء المذهب المالكي، على اعتبار أن المذهب المالكي، موازاة مع العقيدة الأشعرية والتصوف السني، يُعتبر من الثوابت الدينية في المغرب، مع حضور ما يصطلح عليه بالتأصيل الشرعي في الرأي الديني الصادر عن المؤسسة. (قضية الثوابت هنا مفصلية في المقالة برمتها)

ومن بين أسباب هذا التفاعل المؤسساتي للمجلس العلمي الأعلى، كثرة الاستفسارات التي أثيرت في الآونة الأخيرة، في مواقع التواصل الاجتماعي، بخصوص التعامل مع النازلة، والتي كانت سبباً لإثارة نقاش فقهي جديد، على غرار ما جرى مع موضوع التوقف المؤقت لأداء الصلاة في المساجد، قبيل شهر رمضان، على هامش التفاعل مع نفس النازلة الصحية.

وبمقتضى دخول عدة أصوات للإدلاء برأيها في الموضوع، بما في ذلك بعض أصوات الداخل التي استشهدت بآراء فقهية من الخارجـ محسوبة على مرجعيات إيديولوجية، فقد جاءت هذه الفتاوى أو الآراء الدينية، من باب حسم الخلاف الفقهي، والتذكير مرة أخرى، بمرجعية سؤال الإفتاء، باعتباره يصدر عن مؤسسة تابعة للمجلس العلمي الأعلى، باعتبارها المؤسسة الوحيدة المكلفة بذلك، بمقتضى الوثيقة الدستورية أولاً، وبمقتضى العرف التاريخي والثقافي عند المغاربة ثانياً.

نأتي للنقاش الرقمي سالف الذكر، وبرز على هامش تدوينة للأستاذة مونية، تحت عنوان “التعصب للمذهب المالكي”، معتبرة أننا أمام “ظاهرة غير مسبوقة في المغرب أصبحت تثير القلق، تتعلق بازدياد منسوب التعصب للمذهب حد التطرف”، مضيفة أن “مذهب مالك منهج في التدين وفي الفهم عن الله وليس بالضرورة فروعا قال بها هذا أو ذاك، هو منهج وأسلوب في التعامل مع القرآن والسنة اختاره المغاربة عن اقتناع ومعرفة بقدرة أصوله على مسايرة المستجدات وملاءمته لواقع المغرب عبر العصور الماضية. ولكن ــ تضيف الباحث مونية ــ المبالغة في رفض الأقوال الأخرى حتى لو ادعت التحرر من هذا التقييد والتنصل من كل المذاهب لا يبيح لأحد الطعن والتخوين فضلاً عن التعصب الأعمى للمذهب”، وأننا اليوم “مع الأسف نرى بعض هؤلاء “المالكية المقلدين” ينظرون إلى المخالف في المذهب كأنه مارق من الدين، وكثير من هؤلاء المخالفين علماء كبار لا يشق لهم غبار (بهدلتهم) العصبية العمياء”.

وجاء تفاعل الأستاذ عبد الرزاق مع التدوينة ذاتها، بالإشارة إلى غياب “أي تعصب للمذهب المالكي، فجميع المذاهب الفقهية السنية المعتمدة تدرس في جامعاتنا ومراعاة الخلاف من أصول المذهب وقد أخذ به المغرب في عدة نوازل”، مضيفاً أن المشكل يكمن “في التطرف التسلفي الذي بدأ يكفر ويبدع أهل المذاهب الفقهية ويكفر أهل السنة الأشاعرة، ويستقطب شباب المغرب ويجندهم لخدمة أجندة أجنبية”، وقد تطلب الأمر لاحقاً، أن ينشر الأستاذ عبد الرزاق تدوينة ذات صلة بالموضوع في صفخته، مما جاء فيها: “قال الإمام الشاطبي رحمه الله في الموافقات: “فاعلم أن أخذ الأدلة على الأحكام يقع في الوجود على وجهين: أحدهما: أن يؤخذ الدليل مأخذ الافتقار واقتباس ما تضمنه من الحكم ليعرض عليه النازلة المفروضة لتقع في الوجود على وفاق ما أعطى الدليل من الحكم، أما قبل وقوعها؛ فبأن توقع على وفقه، وأما بعد وقوعها؛ فليتلافى الأمر، ويستدرك الخطأ الواقع فيها، بحيث يغلب على الظن أو يقطع بأن ذلك قصد الشارع، وهذا الوجه هو شأن اقتباس السلف الصالح الأحكام من الأدلة؛ والثاني: أن يؤخذ مأخذ الاستظهار على صحة غرضه في النازلة العارضة، أن يظهر في بادئ الرأي موافقة ذلك الغرض للدليل من غير تحر لقصد الشارع، بل المقصود منه تنزيل الدليل على وفق غرضه، وهذا الوجه هو شأن اقتباس الزائغين الأحكام من الأدلة”، قبل أن يخلص إلى أنه “قد تبين أن الاقتناع بأفكار مسبقة إيديولوجية أو سياسية أو ثقافية… ومحاولة البحث عن تسويغها من الشرع، هو من باب الاستدلال الزيغي لا العلمي الرسوخي”.

ما القاسم المشترك إذن، بين رأي مؤسسة المجلس العلمي الأعلى في موضوع إقامة صلاة العيد في المنازل، وبين هذا النقاش الرقمي بين باحثين حول “تعصب للمذهب المالكي”؟ (لهذا أشرنا سلفاً إلى مرجعية الثوابت الدينية للمغرب).

من حيث مضامين هذا النقاش الرقمي، يمكن الجزم بأنه محمود، طالما بقي في دائرة النقاش العلمي، بل يمكن أن نذهب بعيداً من منظور فلسفة الدين، والتعامل معه كما لو فرض عين أن تتم إثارة هذه المواضيع، بصرف النظر عن “المضاعفات الجانبية” (باصطلاح أهل الصيدلة) التي اتضحت في ثنايا مجموعة من الحسابات الرقمية التي تفاعلت مع النقاش، لأنها كانت محسوبة على المرجعية الإسلامية الحركية (سلفية وهابية وإخوانية على الخصوص)، بما يُفسر دفاعها عن التدوينة التي فتحت باب النقاش، أي الاعتراض على “التعصب للمذهب المالكي”، بما يُحيلنا على الوجه الآخر لهذه النقاشات الرقمية.

إذا كانت قراءة النقاش من منظور فلسفة الدين ــ أو الحق في التعبير الذي يبقى فرعاً من أصل أكبر عنوانه الحق في الاعتقاد ــ مسألة طبيعية، فإن قراءتها من منظور سياسي وإيديولوجي أمر مختلف، لأنها يمكن أن تفتح أبواب إعلان الولاء لمشاريع الخارج، تلك التي لديها حسابات مع الدول الوطنية، بما فيها المغرب.

نقول هذا بصرف النظر عن كون المغرب، يتميز بوجود مؤسسة إمارة المؤمنين، والتي إضافة إلى أننا لا نجد مثيلاً لها في المنطقة والعالم الإسلامي، فإنها، بالنسبة للمغاربة، تعتبر المؤسسة الساهرة على حماية الملة والدين، وبالتالي، لسنا في حاجة أساساً إلى رأي حركات إسلامية، تروم “أسلمة المجتمع والسلطة والدولة”.

تساعدنا هذه الجزئية الخاصة بالولاءات السياسية والإيديولوجية، على قراءات نشر بعض أتباع الإسلاموية هنا في المغرب، أو الذين يزعمون أنه لا علاقة لهم بالإسلاموية، موقفاً دينياً لمؤسسة إيديولوجية هناك في المشرق، وهي مؤسسة “الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين” (تابعة للمشروع الإخواني)، حول إقامة معضلة الإيقاف المؤقت لأداء الصلاة في المساجد بسبب تفاعلات هذا الوباء العالمي، أو حول قضايا أخرى، مع أن الإفتاء في هذه الأمور عندنا، تتكلف مؤسسة الإفتاء التابعة للمجلس العلمي الأعلى، وما كان هؤلاء ليتورطوا في نشر آراء مؤسسات المشرق، لو لم تكن هناك ولاءات وحسابات إيديولوجية، ومن هنا أهمية تسليط الضوء على هذه القضايا وتفاعلاتها، النظرية والميدانية: النظرية التي يُؤخذ منها ويُرد، ما دامت تُصَنّف في خانة النقاش العلمي، ولكن الأمر مختلف مع التفاعلات الميدانية، لأنها تحيل على ولاءات سياسية لتيارات لديها مشكلة بنيوية مع الدولة الوطنية أساساً، وبعضها لا زال يحلم بإقامة ما يُسمى “دولة الخلافة”.

الوسوم
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق