الرأيسلايدر

سعيد الكحل: أوربا تذوق السم الذي طبخت

تصاعد الهجمات الإرهابية في أوروبا لم يكن بحاجة إلى الرسومات الكاريكاتورية المسيئة إلى الرسول

عليه السلام ولا إلى تصريحات الرئيس الفرنسي ماكرون؛ فصحيفة شارلي إبدو ليس للمرة الأولى التي ستنشر فيها الرسومات، كما أن المدرس الضحية درج على إعطاء نفس الدروس وكان يطلب ممن ينزعج من التلاميذ مغادرة الحصة. لكن الذي تغير هو نهج تنظيم داعش سواء في استقطاب أتباعه أو تجنيدهم لتنفيذ مخططاته الإرهابية. إنه بات يعتمد استراتيجية التمدد الأفقي لنقل الحرب إلى المناطق الآمنة (أوروبا عموما) مستغلا الثغرات الأمنية (هجمات باريس ونيس.. وفيينا) أو النزاعات العرقية والمذهبية (موزمبيق، الصومال، نيجيريا، أفغانستان، مالي..) أو ضعف الدول وهشاشتها (دول الساحل والصحراء). فالتنظيمات الإرهابية، وخاصة داعش الذي التحق به أزيد من ستة آلاف من شباب أوروبا، ومئتي ألف من شباب العالم، لا تعوزه الذرائع لمهاجمة أي دولة وفي أي قارة أو رقعة جغرافية؛ كما لا تنقصه الوسائل والذئاب المنفردة التي يستقطبها ويجندها بسهولة وسلاسة بالاعتماد على وسائل التواصل الاجتماعي. فأوروبا اليوم تجني “ثمار” ما احتضنته وربّته من تطرف وإرهاب. ليس شماتة في الشعوب الأوروبية ولكن تذكيرا لحكوماتها بمسؤولياتها التي ما زالت متواصلة. ويمكن التركيز هنا على أمرين اثنين:

أولهما: الحرية المطلقة التي يتمتع بها أتباع وتنظيمات الإسلام السياسي المتطرف في كل أوروبا، سواء في نشر ثقافة الكراهية والتكفير بين مسلمي المهجر وتحريضهم ضد حكومات بلدانهم الأصلية وكذا شعوب دول الإقامة وأجهزتها ومؤسساتها وقوانينها. ومن أبرز الأمثلة لشيوخ الإرهاب الذين أسسوا البنيات التحتية للتطرف ونشروا ثقافة الكراهية وسط الجالية المسلمة وجندوا شبابها في صفوف التنظيمات الإرهابية: أبو قتادة الأردني التي ظلت قوانين بريطانيا تحميه من ترحيله إلى بلده الأصلي حتى ضمنت له بريطانيا الأمن في الأردن فرحلّته. وكذلك أنجم تشودري، باكستاني الأصل، الذي كان ناطقا باسم الجماعة الإسلامية “إسلام فور يو كي-الإسلام لبريطانيا”. لم تعتقله بريطانيا رغم إشادته بالهجوم على صحيفة “شارلي إيبدو” وتأييده جهرا لداعش، وإقراره بأن زعيم التنظيم أبو بكر البغدادي “خليفة لكل المسلمين وأمير المؤمنين”. وعمر بكري الذي جند الكثير من الإرهابيين البريطانيين بمن فيهم مايكل ادبلولاجو ومايكل ادبولاوي اللذان ذبحا الضابط البريطاني لي ريغبي في ماي 2013. وأخطر هؤلاء كان أبو حمزة المصري الذي يقضي اليوم حكما بالسجن المؤبد في الولايات المتحدة إثر إدانته باحتجاز رهائن وبالإرهاب. وأبو حمزة عمل إماما لمسجد فينسبيري في لندن لسنوات حوّله لوكر للتطرف والإرهاب دون أن تتدخل الأجهزة لاعتقاله على الرغم من إعلانه مرارا أنه يسعى لإقامة الخلافة الإسلامية في بريطانيا. وكذلك ظل يفعل نجله عثمان مصطفى عبر إلقاء الخطب والمواعظ الدينية في أحد مساجد لندن يدعم بها الجهاد. هذه مجرد عينة من شيوخ التطرف والإرهاب الذين آوتهم الحكومات الأوروبية وحمتهم وساعدتهم على زرع بذور التكفير والكراهية والتطرف التي تجني اليوم ثمارها.

ثانيهما: احتضان شيوخ التطرف وأمراء الإرهاب وتمكينهم من الموارد المالية وسبل جمعها والتغاضي عن طرق صرفها وأوجه إنفاقها في تكوين جمعيات، ظاهرها العمل الخيري وباطنها خلق مجتمع مناهض لقيم الديمقراطية والحداثة والدولة المدنية والقوانين الوضعية. فمعظم شيوخ التطرف والإرهاب عاشوا ويعيشون في أوروبا، ويلقون الدروس التحريضية وينشرون الفتاوى التكفيرية على أوسع نطاق في استغلال تام للمواقع الإلكترونية والوسائط الاجتماعية. مئات الجمعيات تنشط في أوروبا وتحمل عقائد مناهضة لكل الثقافة والقيم الأوروبية والمكتسبات الحضارية، لم تطلهم عدالة أوروبا؛ بل سمحت القوانين للمتطرفين الإسلاميين بإنشاء مراكز تحت مسميات “دراسية” أو “بحثية” أو “إسلامية” ومنها المراكز التي أنشأها هاني السباعي، وكلها تحريض على الكراهية والتكفير والتحريض على العنف باسم الدين، وهذا هو الإرهاب بعينه. وها هي الآن فرنسا تعلن بدء حل وحظر عدد من الجمعيات التي انتبهت أخيرا أنها تحرض على العنف والكراهية، لكن بعد فوات الأوان وصارت فئات اجتماعية واسعة، ومن مختلف الأعمار تحمل عقائد التطرف وتميل إلى ممارسة العنف كعقيدة. والأخطر أن التنظيمات المتطرفة استقطبت الشباب من جنسيات أوروبية وباتت تجنده لتنفيذ المخططات الإرهابية.

ومن الفيديوهات التي توثق لهذا الغزو المتطرف للمجتمعات الغربية، فيديو نشرته سيدة بريطانية لخروج المتطرفين الإسلاميين للاحتجاج ضد الحكومة البريطانية إثر اعتقال منقبة زوجة إرهابي وضع قنبلة في ستوكهولم سنة 2010. وكانت أول جملة تلفظت بها وهي توثق لهذا الاحتجاج “أنا الآن عائدة إلى المنزل لأرى أن المتشددين الإسلاميين قد استولوا على مدينتي”. لقد راعها وأرهبها المتشددون وهم يصيحون في شوارع لندن “المملكة المتحدة إلى النار، الشرطة البريطانية إلى النار”. وأثناء نقاشها مع منقبة من المحتجين تدخل أحد المتطرفين منبها إياها “أحذرك. ارحلي”. وحين سألت أحد المتطرفين المشاركين في الاحتجاج لماذا يقول “الشرطة البريطانية إلى النار أجابها “إنها حرية الرأي، لدينا الحق نقول ما نريد”. ولما ذكّرته بأنه “في الإسلام يقال إنه يجب احترام قوانين الأرض التي تعيش عليها” أجابها “لا هذا غير صحيح”. وسألت آخر “ما الحل برأيك عندما يكون المسلمون يقومون بانتهاك القوانين ويقومون بارتكاب الجرائم؟.. فلا أحد فوق القانون” أجابها “إذا كانت هذه الدولة حسب الشريعة الإسلامية فسيحترم المسلمون هذا القانون” وعن سؤالها “ماذا لو لم يكن هذا القانون حسب الشريعة الإسلامية؟” أجابها “إذن، فالقانون والمطبقون لهذا القانون سوف يذهبون للنار صراحة، لأنه حسب السورة 33 الآية 1 (يا أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين). لتختم السيدة نقاشها ” =أشعر بالحزن بأن يكون هناك أشخاص يروجون لرسائل باللعن والشتيمة.. أشعر بالإحباط التام”.

أوروبا اليوم مطالبة بتجريم فتاوى التكفير والتحريض ضد القوانين الوضعية والقيم الحضارية والدولة المدنية. فالإفتاء ليس تعبيرا عن الرأي حتى تضمنه القوانين، وكذلك الاستهزاء بالأديان ومعتقدات الآخرين. وهي مطالبة أكثر بحظر المواقع الإلكترونية التي يبث عبرها المتطرفون أفكارهم، ومن خلالها يتم استقطاب وتجنيد العناصر الإرهابية التي وُلدت وتربت في البيئات الغربية. فلم يعد الإرهابيون دخلاء، بل صاروا من صلب المجتمعات الغربية. لقد استوطن التطرف المجتمعات الأوروبية وغدت له بنية أيديولوجية تستعصي على التدمير. الأمر الذي يتطلب تكثيف الجهود بين كل الحكومات الغربية لتطويق خطر التطرف والإرهاب وتجفيف منابعه الفكرية والرقمية والمالية.

زر الذهاب إلى الأعلى