الرياضةسلايدر

كرة القدم كفضاء للاندماج والتعايش، قراءة سوسيولوجية في النموذج المغربي على ضوء كأس إفريقيا.

 

يعتبر التعايش في المغرب إحدى السمات البنيوية العميقة التي وسمت تشكله التاريخي والمجالي، حيث لم يكن المجال المغربي في أي مرحلة فضاء منغلق أو أحادي، بل ظل مجالا مفتوحا على الحركية والتعدد والتفاعل المستمر. وقد راكم المجتمع المغربي عبر تاريخه رأسمال ثقافي مكنه من إستيعاب التنوع والاختلاف، خصوصا حين يتقاطع هذا الإستعداد المجتمعي مع سياسات عمومية واضحة تؤطر الإندماج وتمنحه أفق مؤسسي مستدام. في ذات السياق تحولت المدن المغربية الكبرى إلى فضاءات للتفاعل اليومي بين المغاربة والمهاجرين، حيث يتجسد التعايش في ممارسات ملموسة تتجاوز الخطاب النظري، وتعكس نجاح نسبي في تهيئة شروط إجتماعية ومجالية داعمة للإندماج داخل الفضاء الحضري.

و تأتي كرة القدم خاصة التظاهرات القارية الكبرى، لتكشف عن عمق هذه الدينامية، فالحضور القوي لمهاجري إفريقيا جنوب الصحراء في مدرجات كأس إفريقيا المنظمة بالمغرب لا يمكن إختزاله في بعد إحتفالي أو ظرفي لمنافسة قارية، بل يشكل مؤشرا سوسيولوجيا دالا على مستوى إندماجهم داخل المجتمع المغربي. فالملعب و من منظور مفكري علم الإجتماع ، ليس مجرد فضاء رياضي بل هو مجال جماعي لإنتاج الإنتماء والتفاعل الرمزي، حيث تتقاطع الهويات وتعاد صياغة الروابط الاجتماعية.
إن تواجد المهاجر الإفريقي داخل المدرجات، ومشاركه في التعبير الجماعي عن الفرح والإنتماء، يعكس شعورا بالأمان والإعتراف، ويسمح له بممارسة حضوره داخل الفضاء العام دون خوف أو إقصاء. و تزداد دلالة هذا المعطى حين نلاحظ مشاركة مغاربة في تشجيع منتخبات إفريقية غير المنتخب الوطني، الأمر الذي يعكس منطق منفتح للإحتفاء بالانتماء الإفريقي المشترك، ويجعل من المدرجات امتداد للمدينة بإعتبارها مجال مفتوح للتعايش، تندمج فيه مسارات الساكنة والوافدين داخل دينامية حضرية واحدة.
و يبرز النموذج المغربي كصيغة متميزة في تدبير الإندماج، تقوم على تداخل واضح بين الأبعاد الحقوقية والسوسيولوجية والمجالية. فهو نموذج لا يشتغل بمنطق الإستيعاب القسري الذي يذيب الإختلاف، ولا بمنطق العزل الذي ينتج انفصال ثقافي، بل يسعى إلى إدماج المهاجر داخل النسيج الإجتماعي مع الحفاظ على خصوصياته الثقافية. ويقوم هذا النموذج على تنظيم التعدد داخل المجال العمومي، بما يسمح بتعايش الإنتماءات المختلفة في إطار من الإعتراف المتبادل. هنا تؤدي المؤسسات العمومية دور محوري في تأطير هذا المسار عبر سياسات دامجة، بينما يساهم الإعلام والفضاءات الثقافية والرياضية في إعادة تشكيل التمثلات الإجتماعية وترسيخ قيم التعايش، بما يجعل من هذا التفاعل بين الفعل المؤسساتي والدينامية الإجتماعية مسار متطور ومستمر داخل مجال وطني منفتح ومتعدد.
وتتجلى هذه الديناميات بوضوح حين ننتقل من الملاعب الكبرى إلى المجالات المحلية، حيث تكشف كأس إفريقيا بالمغرب عن امتدادات إندماج تتجاوز المراكز الحضرية الكبرى. وتعد جهة سوس ماسة، وبالخصوص دوار أكورام بخميس أيت عميرة، نموذج مميز في هذا الصدد، إذ يضم هذا المجال الترابي مهاجرين من إفريقيا جنوب الصحراء، في سياق يتسم بتعايش يومي مستقر. ويتجسد هذا الإندماج بشكل لافت خلال شهر رمضان من خلال تنظيم دوريات رياضية محلية، يمكن اعتبارها شكل مصغر لـ “كأس إفريقية للمجتمع المدني”، بمشاركة فرق تمثل دول إفريقية متعددة، وبتأطير من فاعلين جمعويين من شباب المنطقة.
كما تكشف هذه الممارسات قدرة الرياضة على إنتاج التماسك الإجتماعي وبناء روابط عابرة لكل الانتماءات. كما أنه ومن منظور حقوقي، تعكس هذه المبادرات شعور بالمشاركة والإعتراف داخل الفضاء العام، وتبرز كيف يتحول المجال المحلي إلى فضاء فعلي لتنظيم التعدد والإندماج.إن حالة دوار أكورام لا تقدم مجرد مثال معزول، بل تشكل حالة دراسية غنية تستحق الاهتمام العلمي والتعريف الأكاديمي، لفهم آليات الاندماج في السياق المغربي، وكيف يمكن للرياضة، وفي مقدمتها كرة القدم، أن تتحول إلى رافعة حقيقية لتقارب الشعوب وتعزيز الانتماء الإفريقي المشترك.

ختاما، لا تبرز كأس إفريقيا بالمغرب كتظاهرة رياضية فحسب، بل كحدث إجتماعي وثقافي عميق الدلالة، يكشف عن قدرة المجال المغربي على إحتضان التعدد وصياغته داخل أفق من التعايش والإحترام المتبادل، ويؤسس إلى إمكانات بناء نموذج إفريقي للإندماج قوامه الإنفتاح والإعتراف والعيش المشترك.

د/ الحسين بكار السباعي
خبير أستراتيجي ومستشار أكاديمي .

زر الذهاب إلى الأعلى