سلايدرمغرب

وثيقة 11 يناير: لحظة وعي وطني وتجسيد لإرادة التحرر

 

يُخلِّد المغاربة ذكرى تقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال في 11 يناير سنة 1944، التي تُعد حدثًا تاريخيًا بارزًا وراسخًا في الذاكرة الجماعية للمواطنين المغاربة.
هذه الوثيقة، التي جاءت بإيحاء من المغفور له محمد الخامس، تلاها انخراط الحركة الوطنية في إعدادها وتوقيعها من طرف 67 مقاومًا، لتكون تتويجًا لمسار من المقاومة التي مزجت بين السلاح والسياسة، في تناغم بين السلطان والشعب والحركة الوطنية وجيش التحرير. وقد مر هذا المسار من انتفاضات شعبية ومعارك للمقاومة، ومحاربة الظهير البربري، ثم تقديم المطالب الشعبية سنتي 1934 و1936.

وقد تضمنت هذه الوثيقة مطالب سياسية عامة، على رأسها استقلال المغرب عن الحماية الفرنسية، والتنسيق مع الدول الكبرى لضمان هذا الاستقلال، والانضمام إلى الدول الموافقة على وثيقة الأطلسي، والمشاركة في مؤتمر الصلح. أما بخصوص السياسة الداخلية، فقد أشارت الوثيقة إلى رعاية السلطان للإصلاح وبناء نظام سياسي مبني على الشورى، تُحفَظ فيه حقوق وواجبات جميع المواطنين.

وكان اختيار توقيت تقديم الوثيقة ذكيًا جدًا، خصوصًا في ظل ارتفاع الأصوات المنادية بمناهضة الاستعمار في كل أرجاء المعمور، واستعداد العالم ككل، وأوروبا على وجه التحديد، للتخلص من الغزو الألماني وقهر النازية، بمشاركة بارزة ومؤثرة للجنود المغاربة في صفوف جيش الحلفاء، واستعمال الأراضي المغربية كقواعد للقوات المحاربة ضد دول المحور. وكان من الطبيعي أن يستفيد المغرب من هذا الوضع للضغط من أجل نيل الاستقلال، كما أن هذا التقديم يعكس تطورًا في مسار المقاومة المغربية ونضجًا على مستوى الطرق المستعملة.

لم يكن تقديم هذه الوثيقة أمرًا تتقبله سلطات الحماية في المغرب؛ فبمجرد تقديمها، قامت بالضغط على محمد الخامس من أجل التنديد علنًا بالوثيقة، والتأشير على اعتقال المقاومين والموقعين عليها، وهو ما لم يوافق عليه السلطان، طبعًا. وقد تلا ذلك عمليات اعتقال واسعة في صفوف مناضلي الأحزاب السياسية، مما خلّف موجة من المظاهرات والانتفاضات المسلحة المعارضة في مجموعة من المدن الكبرى، مرفوقة بغضب شعبي عارم ورفض شديد للطريقة التي تجاوبت بها السلطات.

ويمكن اعتبار أن تقديم هذه الوثيقة شكّل نقطة تحول في مسار الاستقلال المنشود، إذ أدى إلى ارتفاع وتيرة العنف من طرف المستعمر بشكل همجي، وهو ما منح مشروعية أكبر للقضية الوطنية، وأيقظ شعلة المقاومة في صفوف العامة، وكسب تعاطف المنتظم الدولي حينها، الذي كان يدافع عن حريات الشعوب في نهاية الحرب العالمية الثانية. كما سرّع ذلك من وتيرة الأحداث، خصوصًا مع تهور المستعمر في نفي السلطان الشرعي، ونشوب ثورة الملك والشعب، ثم عودته من منفاه، وبين عينيه حلم الاستقلال أقرب من أي وقت مضى.

إن تخليد هذه الذكرى يُعد فرصة لربط الماضي بالحاضر، والاعتراف بمجهودات أجيال من المقاومين والفدائيين الذين ضحوا بالغالي والنفيس في سبيل الدفاع عن سيادة الوطن، ومناشدة استقلاله وحريته، جنبًا إلى جنب مع الإرادة الملكية، والمساهمة في النضال إلى آخر نفس. كما أنه دعوة للاعتراف بمجهودات كل من ساهم، من قريب أو بعيد، بماله أو روحه، في سبيل هذا الوطن، الذي تتحمل أجيال الحاضر مسؤولية تنميته وتطويره وبنائه وإعماره، وتسليمه للأجيال المستقبلية، في سيرورة لتمرير مشعل الوطنية الراسخة، رغم اختلاف السياقات بين طموح للحرية، وطموح للبناء، وطموح للتنمية.

ياسين المصلوحي

 

زر الذهاب إلى الأعلى