كأس أفريقيا وأسود الأطلس.. برقية التهنئة الملكية وبلاغ الديوان الملكي: أي دلالات؟

بقلم: ياسين المصلوحي
لم تكن برقية التهنئة التي توجّه بها صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، إلى مكونات المنتخب الوطني لكرة القدم، في أعقاب المباراة النهائية لكأس أمم إفريقيا، مجرد نشاط روتيني أو إجراء بروتوكولي يدخل في الأجندة الملكية الاعتيادية، بقدر ما كانت تذكيرًا بخارطة الطريق التي وضعها جلالته، باعتباره رئيس الدولة ومنظّر السياسة الرياضية العامة، لتنزيلها وتطبيقها من قبل باقي المكونات، من جامعة ملكية لكرة القدم والوزارات الحكومية المتدخلة.
وما يؤكد ذلك أكثر هو بلاغ الديوان الملكي الصادر في 22 يناير الجاري، الذي عبّر فيه عن شكره العميق لكافة مكونات الأمة المغربية على مساهمتها الفعالة في إنجاح الدورة، مشيدًا بالجهود الجماعية للمواطنين وبالدعم النموذجي الذي قدموه للمنتخب، ومؤكدًا، نصره الله، أن ذلك ثمرة رؤية طموحة وسياسة رياضية وبنيوية متقدمة، إلى جانب الروح الوطنية لأبناء مغاربة العالم.
كما اعتبر أن هذه الدورة محطة بارزة أظهرت التقدم التنموي الذي حققته المملكة، ونموذجها القائم على وضع المواطن في صلب الأولويات، مشيرًا إلى أن روابط الأخوة الإفريقية القوية لن تتأثر بما وقع في ختام المباراة النهائية، وأن نجاح المغرب التنظيمي هو نجاح لإفريقيا كاملة، دون احتكار للتفوق والإنجازات.
كما أوضح البلاغ أن الشعب المغربي قادر، بفضل وعيه وتمسكه بقيم التضامن والوحدة الإفريقية، على مواجهة محاولات التشهير والتشكيك.
ومن خلال قراءة هذين البلاغين الموجهين إلى كافة الشعب المغربي، ومن خلاله إلى العالم ككل، نجد أن المؤسسة الملكية تثمن مجهودات الفريق الوطني الذي لم يدخر جهدًا في تمثيل المغرب أفضل تمثيل، محاطًا بالدعم والتشجيع من كافة مكونات المجتمع المغربي، وهو ما يعكس التنزيل السليم والانخراط التام واللامشروط في المشروع الملكي الرامي إلى الاستثمار في العنصر البشري، وعصرنة البنيات التحتية للمملكة، وهو ما يظهر قدرتها واستعدادها وجاهزيتها لتنظيم أرقى المسابقات الدولية.
كما أن ذلك يشكل رسالة لكل مشكك أو متربص بالإنجازات المغربية، وحسن التنظيم، وحفاوة الاستقبال، والحس الإنساني والروح الرياضية التي طبعت كل أطوار المنافسة، رغم ما عرفته المباراة النهائية بسبب الشحن والتهييج الذي عملت عليه الجهات الراعية للتشهير والتشكيك، من أجل إفساد العرس القاري والإضرار بصورة القارة السمراء أكثر من الإضرار بصورة المغرب.
ويمكن القول إن موقف المؤسسة الملكية الرزين والمتزن يعيد ضبط الصورة التي ينتظرها المجتمع الدولي، وخصوصًا الأشقاء الأفارقة؛ فقد يكون الرأي العام الشعبي قد تعامل بنوع من العاطفة المفرطة تجاه ما حصل، بسبب ما أحسّ به من الظلم والغبن والتحامل من مجموعة من الجهات التي تسعد لفشل المغرب أكثر من سعادتها بنجاحاتها الفردية الخاصة، وهو ما سبب ردود أفعال شعبية حادة خصوصا على مواقع التواصل الاجتماعي.
إن المنطق الذي تتعامل به المؤسسات الرسمية ليس هو نفسه المنطق العاطفي الذي يتعامل به الأفراد، كما أن زاوية رؤية الأمور ومعالجتها تختلف حسب كل موقع؛ ولعل التدخل الحكيم للمؤسسة الملكية يعيد ضبط الإيقاع، ويخفف من الضغط النفسي والألم الذي يعتصر المواطن، ويُظهر للرأي العام الوطني المكاسب وموجبات الافتخار التي لا ترتبط فقط بالتتويج باللقب الرياضي، وإنما بالنجاح في التنظيم والتسويق لقدرة المغرب العالمية، وسيادة الروح الوطنية والرياضية، والحفاظ على الروابط الإنسانية والقيم المغربية العريقة، الأسمى من كل تتويج رياضي.






