الهندوراس تصفع النظام الجزائري وتُعلق اعترافها ببوليساريو

الدار/ إيمان العلوي
في لحظة تبدو كأنها تعيد ضبط بوصلة المواقف داخل أحد أكثر الملفات تعقيدًا في الساحة الدولية، اختارت هندوراس أن تراجع تموقعها وأن تعلن، بقرار سيادي واضح، تعليق اعترافها بما كان يُقدم لسنوات كأمر واقع. هذا التحول لا يمكن قراءته كخطوة معزولة أو مجرد تصحيح تقني في السياسة الخارجية، بل يندرج ضمن مسار أوسع يعكس تغيرًا متدرجًا في إدراك عدد من الدول لطبيعة النزاع وحدوده الواقعية.
القرار الهندوراسي جاء بلغة دبلوماسية دقيقة، تستحضر مبادئ عدم التدخل واحترام السيادة، وتربط الموقف الجديد بإطار الشرعية الدولية كما تؤطره الأمم المتحدة. هذا الربط ليس تفصيلاً بروتوكوليًا، بل يحمل دلالة سياسية عميقة مفادها أن المقاربة التي كانت تعتمد على مواقف رمزية أو إيديولوجية لم تعد كافية، وأن الزمن بات يفضل الحلول القابلة للتنفيذ، المبنية على التوافق والواقعية.
ولعل أبرز ما في هذه الخطوة أنها لم تكتف بسحب الاعتراف، بل أعادت توجيه البوصلة نحو المسار الأممي، بما يحمله ذلك من إقرار ضمني بأن تسوية هذا النزاع لا يمكن أن تتم خارج المؤسسات الدولية وآلياتها. وهو ما يعزز فكرة أن المجتمع الدولي، أو على الأقل جزءًا متزايدًا منه، لم يعد يرى في الطروحات الانفصالية أفقًا عمليًا، بل عبئًا يعرقل الوصول إلى حل دائم.
التحول في موقف هندوراس يكتسب أهمية إضافية بالنظر إلى السياق التاريخي لعلاقتها بهذا الملف، حيث سبق لها أن تبنت الاعتراف في مراحل سابقة، بل وعادت لتأكيده قبل سنوات قليلة. هذا التذبذب السابق يجعل من القرار الحالي أكثر من مجرد تعديل، بل أشبه بإعادة تقييم شاملة تنبني على قراءة جديدة لموازين القوى ولمسار النقاش الدولي.
في المقابل، يراكم المغرب نقاطًا إضافية في معركة دبلوماسية طويلة النفس، تعتمد على استراتيجية تقوم على كسب الدعم التدريجي وتعزيز الحضور داخل المنظمات الدولية، مع التركيز على تقديم مبادرات توصف بالواقعية. هذا التراكم لا يتحقق عبر تحولات مفاجئة بقدر ما ينبني على عمل هادئ ومستمر، يثمر بين الفينة والأخرى مواقف من هذا النوع.
أما الأطراف التي تراهن على استمرار الوضع السابق، فتجد نفسها أمام مؤشرات متزايدة على تآكل الدعم التقليدي، في ظل عالم يتغير بسرعة، وتتحكم فيه اعتبارات الاستقرار والتنمية أكثر من الشعارات. وهنا تكمن دلالة “الزلزال” الحقيقي: ليس في قرار بعينه، بل في المسار الذي يشير إليه، حيث تتقدم الواقعية خطوة بعد أخرى، فيما تتراجع الأطروحات التي لم تعد قادرة على الصمود أمام اختبار الزمن.





