أخبار الدارأخبار دوليةسلايدر

رهانات الانفصال تنقلب على صانعيها.. كيف تحوّلت سياسات الكابرانات إلى تهديد لوحدة الجزائر؟

 

الدار/ إيمان العلوي

منذ عقود، بنى النظام العسكري الجزائري جزءًا كبيرًا من سياسته الخارجية على منطق الصراع المفتعل وتغذية النزاعات في الجوار، بدل الاستثمار في التعاون والتنمية وبناء فضاء مغاربي متكامل. هذا النهج لم يكن مجرد خيار دبلوماسي عابر، بل أصبح عقيدة سياسية قائمة على إضعاف الآخرين حتى ولو كان الثمن إضعاف الجزائر نفسها.

أبرز مثال على ذلك يتمثل في تبني مشروع البوليساريو وتسخيره كورقة عدائية ضد المغرب. فبدل توجيه موارد الدولة الجزائرية نحو الاقتصاد والبنية التحتية وتحسين أوضاع المواطنين، جرى إنفاق سنوات طويلة وأموال ضخمة في نزاع مصطنع لم يحقق أي مكسب حقيقي للجزائر، بل أدخل المنطقة في حالة شلل سياسي عطلت قيام اتحاد مغاربي قوي كان يمكن أن يكون من أكبر التكتلات الاقتصادية في إفريقيا.

في الجنوب، لم تكن الصورة أفضل حالًا. فالفوضى التي عرفتها منطقة الساحل، وتمدد الجماعات المسلحة وشبكات التهريب، كشفت محدودية الرهان الجزائري على إدارة الأزمات بدل حلها. لقد اعتقدت السلطة العسكرية أن إبقاء الجوار في حالة هشاشة يمنحها نفوذًا دائمًا، لكن ما حدث هو العكس تمامًا: تحولت الحدود الجزائرية إلى مصدر قلق أمني مستمر، وتزايدت المخاطر القادمة من مالي والنيجر وليبيا.

المفارقة أن النظام الذي قدّم نفسه طويلًا باعتباره “قوة إقليمية” بات اليوم أكثر عزلة من أي وقت مضى. علاقاته متوترة مع عدد من جيرانه، وصورته الخارجية تضررت بسبب استمرار خطاب الحرب الباردة، بينما تتحرك دول أخرى في المنطقة بمنطق المصالح والاستثمار والشراكات الدولية.

أما داخليًا، فإن المواطن الجزائري يدفع ثمن هذه السياسات يوميًا. اقتصاد يعتمد بشكل شبه كامل على المحروقات، بطالة مرتفعة، تراجع القدرة الشرائية، وهروب للكفاءات الشابة نحو الخارج. وفي المقابل، تستمر السلطة في تصدير الأزمات وخلق عدو خارجي لصرف الأنظار عن الإخفاقات الداخلية.

المغرب، في المقابل، اختار طريقًا مختلفًا يقوم على التنمية في أقاليمه الجنوبية، والانفتاح على إفريقيا، وتعزيز شراكاته الدولية. لذلك أصبح الفارق واضحًا بين دولة تستثمر في المستقبل، ونظام لا يزال أسير الحسابات العسكرية القديمة.

إن أخطر ما يواجه الجزائر اليوم ليس خصومًا خارجيين، بل استمرار هيمنة عقلية الجنرالات على القرار السياسي. فالدول لا تُبنى بالمؤامرات، ولا تُدار بالعداء الدائم للجيران، ولا تُقاس قوتها بعدد الملفات التي تعرقلها. القوة الحقيقية تقاس بالاقتصاد والاستقرار واحترام إرادة الشعب.

وإذا استمر النظام العسكري الجزائري في النهج نفسه، فإن الخسارة لن تكون للمغرب أو للمنطقة فقط، بل للجزائر نفسها، التي تستحق مستقبلًا أفضل من أن تبقى رهينة حسابات الثكنات وصراعات الماضي.

زر الذهاب إلى الأعلى