
الدار/ إيمان العلوي
أثارت تصريحات الممثلة المغربية فاطمة وشاي، التي وصفت فيها السنوات الخمس الأخيرة في المغرب بـ”العذاب”، موجة واسعة من الجدل، ليس فقط بسبب حدّة التعبير المستعمل، ولكن أيضاً بسبب ما اعتبره كثيرون انتقائية في قراءة الواقع السياسي والاجتماعي للمملكة. فحين يتم اختزال خمس سنوات من التدبير الحكومي في توصيف سوداوي مطلق، يصبح من المشروع التساؤل: كيف يمكن إذن توصيف ما عاشه المغاربة خلال عشر سنوات كاملة من قيادة حزب العدالة والتنمية للحكومة؟
لقد تعاقبت على رئاسة الحكومة خلال تلك المرحلة شخصيتان بارزتان من حزب العدالة والتنمية، هما عبد الإله بنكيران وسعد الدين العثماني، وهي مرحلة ارتبطت في ذاكرة شريحة واسعة من المغاربة بسلسلة من القرارات الاجتماعية القاسية والإصلاحات المثيرة للجدل. ففي عهد تلك الحكومات، تم رفع سن التقاعد، وتحرير أسعار المحروقات، وتجميد الحوار الاجتماعي لفترات طويلة، إلى جانب ارتفاع منسوب الاحتقان الاجتماعي في عدد من القطاعات الحيوية، خاصة التعليم والصحة والشغل.
كما شهدت تلك السنوات تصاعد معدلات البطالة في صفوف الشباب، واتساع دائرة الاحتجاجات الاجتماعية في عدد من المناطق، من حراك الريف إلى احتجاجات جرادة وغيرها، في سياق اتسم بتراجع الثقة السياسية وتآكل صورة الخطاب الأخلاقي الذي دخل به الحزب إلى السلطة سنة 2011. بل إن كثيراً من المواطنين شعروا آنذاك بأن الحكومة رفعت شعارات محاربة الفساد والاستبداد، لكنها انتهت إلى تدبير يومي مرتبك، لم ينجح في تحقيق الوعود الكبرى التي تم تسويقها انتخابياً.
وفي المقابل، ورغم الإكراهات الدولية الثقيلة التي واجهتها حكومة عزيز أخنوش، من تداعيات الجائحة إلى التضخم العالمي والجفاف وارتفاع أسعار الطاقة، فإن السنوات الأخيرة شهدت إطلاق عدد من الأوراش الاجتماعية والاقتصادية الكبرى، أبرزها تعميم الحماية الاجتماعية، ودعم السكن، وإصلاح المنظومة الصحية، والزيادة في أجور عدد من الفئات، فضلاً عن استثمارات استراتيجية في مجالات الماء والطاقة والبنيات التحتية.
صحيح أن القدرة الشرائية للمغاربة تعرضت لضغط كبير، وأن الغلاء أثار غضباً مشروعاً داخل المجتمع، لكن اختزال المرحلة الحالية في كلمة “عذاب” يبدو بالنسبة لكثيرين حكماً متسرعاً يتجاهل تعقيدات السياق الدولي والتحولات الاقتصادية العالمية التي مست معظم دول العالم، وليس المغرب فقط.
الأكثر إثارة للانتباه، أن بعض الأصوات الفنية والإعلامية التي ترفع اليوم سقف الانتقاد، كانت تلتزم صمتاً لافتاً خلال سنوات العدالة والتنمية وبينها الممثلة فاطمة وشاي، رغم حجم التوتر الاجتماعي والاقتصادي الذي طبع تلك المرحلة. وهو ما يطرح سؤالاً حول طبيعة الخطاب العمومي في المغرب: هل يتم تقييم الحكومات بمعيار واحد، أم أن المواقف تتغير بتغير الاصطفافات والانطباعات الشخصية؟
لا أحد يجادل في حق الفنان أو المثقف في التعبير عن رأيه وانتقاد السياسات العمومية، فذلك جزء من النقاش الديمقراطي الطبيعي، لكن المسؤولية الأخلاقية تقتضي أيضاً قدراً من الإنصاف والتوازن، خاصة عندما يتعلق الأمر بإطلاق توصيفات حادة تختزل سنوات كاملة من العمل الحكومي في صورة قاتمة ومطلقة.
فالسياسة لا تُقاس بالشعارات وحدها، كما أن تقييم الحكومات لا يتم بمنطق الانتقائية أو الذاكرة القصيرة. وإذا كانت خمس سنوات اليوم تُوصف بـ”العذاب”، فإن المغاربة يتذكرون جيداً أيضاً ما عاشوه خلال عشرية كاملة من الوعود المؤجلة لحكومتي بنكيران والعثمان، والاحتقان الاجتماعي، والتجاذبات السياسية التي أنهكت الثقة في العمل الحزبي والسياسي.






