سبتة..صخرة واقعِ بدّدت أحلام المراهقين وكشفت الوجه الآخر للهجرة

الدار/ كلثومة ادبوفراض
اختار آلاف الشباب واليافعين أن يشقّوا الطريق برًا وبحرًا نحو الحدود الإسبانية، آملين أن يجدوا عند أبواب سبتة ومليلية المحتلتين فرص شغل تستقبلهم، بعدما قرر كثير منهم مغادرة حضن الوطن وكنف الأم، وقطع حبل الود مع عائلاتهم، معتقدين أن بلاد الغربة ستفتح لهم أبوابها وتحتضن أحلامهم التي طالما رسموها في مخيلتهم.
وتُجسّد الأرقام حجم هذا العرض السريالي؛ فمن جهتها أعلنت وزارة الداخلية الإسبانية أن نحو 25 ألف شخص غادروا سبتة في اتجاه المغرب، إلى حدود الساعة الواحدة من زوال الجمعة 31 يوليوز، بمعدل يقارب 150 شخصًا في الدقيقة، بعد أن كانت المدينة قد استقبلت خلال الأيام الماضية ما يقارب 60 ألف مهاجر عبروا الحدود انطلاقًا من شمال المغرب، في واحدة من أكبر موجات العبور التي شهدتها سبتة المحتلة خلال السنوات الأخيرة.
لن ننكر أن بعضهم حمل معه شهادات وكفاءات لم تجد طريقها إلى سوق الشغل في المغرب، فيما آخرون دفعتهم قسوة المعيشة، وغلاء الأسعار، وضيق الحال، إلى الارتماء في أحضان المجهول.
لكن ماذا عن هؤلاء المراهقين الذين لم يبلغوا بعد سن الرشد؟ أولئك الذين حملتهم الشاحنات نحو الشمال، وآخرون اقتحموا محطات القطار في الدار البيضاء والقنيطرة والقصر الكبير، متسببين في حالة من الفوضى والهلع وسط المسافرين، بدافع حلم واحد: الوصول إلى الضفة الأخرى.
فسرعان ما اصطدموا بصخرة الواقع حتى تبددت تلك الأحلام، إذ أن كثيرون لم يجدوا من يناولهم رشفة ماء أو قطعة خبز تسدّ رمقهم، بعد أن قطعوا مسافات طويلة سباحة في المياه المالحة أو سيرًا على الأقدام، حفاة، شبه عراة، خاويي الوفاض.
وكانت صدمة هؤلاء اليافعين ومنهم الشباب، أقوى من كل الصور الوردية التي نسجتها مواقع التواصل الاجتماعي في خيالهم عن الحياة وراء تلك الأسلاك الشائكة من حدود المنطقتين المحتلتين، لتتحول أحلامهم الوهمية، عند أول محطة للوصول، إلى واقع قاسٍ لم يكن يشبه ما تخيلوه.
لتتحول أمانيهم إلى خيبة دفعت الآلاف إلى العودة طوعًا، لا قسرًا، بعدما اكتشفوا أن الغربة ليست كما تُعرض في مقاطع الفيديو والمنشورات المتداولة.
فهناك، اصطدمت أقدام بعضهم بجثث أقرانهم التي لفظتها أمواج البحر، واكتشف آخرون أن الطريق الذي ظنوه معبرًا إلى حياة أفضل، قد يبدأ بالجوع والعطش والخوف قبل أي شيء آخر.
وتكمن علامة الاستفهام الكبرى في أولئك المراهقين الذين لم يبلغوا بعد سن الرشد، والذين يردد بعضهم عبارة: “البلاد ما عطاتناش”.. فأي بلاد لم تمنحهم فرصتهم بعد؟ وهو طفل لم يكد يغادر مقاعد الدراسة، أو لا يزال متعلقًا بأسرته، أن يصل إلى هذه القناعة الجازمة و الراسخة في ذهنه الغضّ، بأن مستقبله قد حُسم، وأن لا مكان له في وطنه؟
ومما لا شك فيه، أن دوافع هؤلاء تختلف عن دوافع شباب أنهكتهم البطالة أو ضيق العيش، وبالتالي هنا نجد أن تداخل تأثير البيئة المحيطة، وضغط الأقران، وسحر مواقع التواصل الاجتماعي، مع صورة مثالية عن الهجرة تُسوَّق باعتبارها طريقًا مختصرًا نحو الثراء والنجاح، دون أن تُظهر الوجه الآخر المليء بالمخاطر والمآسي.
وبين حلم بدأ بخطوة نحو المجهول، وعودة أنهكها الجوع والعطش وخيبة الأمل، يظل السؤال مطروحًا: كم من شاب كان يبحث عن فرصة للعيش بكرامة، فانتهى به المطاف إلى اكتشاف أن الطريق إلى الغربة ليس دائمًا مفروشًا بالأمل، كما تصورّه لهم “الريلزات” السريعة!






