أخبار الدارسلايدر

أزمة سبتة والهجرة الجماعية، رسائل جيوسياسية متبادلة بين إكراهات الداخل ومناورات الجوار.

تتجاوز ظاهرة النزوح والهجرة الجماعية، في جوهرها اليوم المقاربات التقليدية السطحية التي تختزل التحركات البشرية في مجرد البحث عن تحسين الظروف الاقتصادية أو تبسيطها في مجرد خرق أمني للحدود الوطنية. إن قراءة التحركات الحاشدة نحو ثغر سبتة تضع الظاهرة في تقاطع مركب بين الأبعاد الجيوسياسية الإقليمية، وسيكولوجية الجماهير، والتحولات الرقمية الناشئة وليدة وسائل التواصل الإجتماعي، فلم تعد الأزمة تقتصر على التحرك المباشرة نحو نقاط التماس والمعبر الحدودية عبر البر والبحر، بل باتت ترتبط بعمق بحركة ذهنية ونفسية تدار عبر الفضاء الأزرق وتستغل تقنيات التعبئة الرقمية. فالرسائل المضللة والشائعات التي تنتشر عبر الشاشات تعمل على دغدغة العواطف وإستغلال حالة اليأس أو التطلع إلى أفق أفضل، محولة السراب إلى واقع متخيل يغري بالإندفاع نحو المجهول، مما يجعل من الوعي الفكري والتربية الإعلامية خط دفاع إستراتيجي أول لا يقل أهمية عن الحماية الأمنية الميدانية للحدود. حينها سيتم إدراك أن الحدود الجغرافية التي تدار بالقوانين وقوى أمن الحدود، ليست سوى واجهة لمركب فكري أكثر خطورة يتشكل داخل وعي الشباب بين الحقيقة والوهم، حيث يتحول الهرب إلى قرار يبدو منطقيا في الأذهان بينما هو في الواقع اندفاع نحو المصير المجهول، وهو ما يستدعي معالجة شمولية توازن بين الأمن الفكري ومقتضيات السيادة والضبط الميداني.

إن تفكيك المشهد الميداني على شوارع وثغور سبتة يكشف عن حدود قاصرة للمقاربة الأمنية الصرفة التي يعتمدها الاتحاد الأوروبي وإسبانيا في إدارة حدودهم الجنوبية، إذ إن حصر الملف في حراسة المنافذ والشواطئ يغفل أصل الإختلال المتمثل في ضعف الشراكات التنموية بين أوروبا ودول الجوار، مما يجعل الإجراءات الحدودية مجرد مسكنات مؤقتة تعجز عن كبح التدفقات المتلاحقة. غير أن الأبعاد الأكثر عمقا لهذا المشهد لا يمكن فصلها عن التوقيت والسياق السياسي، لا سيما حين تتقاطع هذه الأحداث مع محطات سيادية وتاريخية مفصلية، مما يحول المشهد الذي تناقله إعلام كلى البلدين ومعه الاعلام الدولي إلى رسائل ضمنية مشحونة تفرض تساؤلات حول طبيعة الدوافع، وما إذا كانت مجرد ضغط داخلي عفوي أم تقاطع مع أجندات ومناورات إقليمية أكثر تعقيدا.
هنا تتشكل مرآة كاشفة لتمايز بين نموذجين إقتصاديين متجاورين دون إندماج، حيث يظل الرهان على الأدوات الأمنية الخالصة غير قادر على بناء آفاق مستدامة، فالمغرب صرح مند زمن بعيد في تدبيره لملف الهجرة رفضه القاطع لعب دور الدركي، ونظرا لأن المقاربة الأمنية لوحدها لا تصنع التنمية والمعالجة الحقيقية تكمن في تسريع أورش التنمية الشاملة وتحويل الخطاب الإقتصادي إلى واقع ملموس يعيد بناء الثقة والمواطنة الحقة.

ومن زاوية نقاش أخرى فقد أخذت أحداث سبتة حمولة جيواستراتيجية أشد خطورة بالنظر إلى التقاطع السياسي المقلق مع عودة ملف تهم السيادة الوطنية و تتجاوز حدود المسوح به بالنظر للعلاقات التاريخية بين البلدين والدفاع المكتسبات التي راكمتها هندسة سياسية حكيمة للمغرب في تعامله مع الحارة الشمالية ومع عدم السماح لمن يسعى لزرع بدور الفتنة .فالتزامن الذي لانعتبره صدفة سياسية بل هو واقع وقف عليه العالم في معرض التحركات الأخيرة للجزائر، وهو الأمر الذي يطرح فرضيات جيوسياسية حتمية تجعل من البحر شاشة مفتوحة لتمرير الرسائل الدبلوماسية الحاسمة، خاصة في ظل ما يقرأ كنوع من التسويف والمماطلة في الملفات السيادية الثقيلة، كإدارة المجال الجوي للصحراء وترسيم الحدود البحرية الأطلسية الغنية بالثروات الطبيعية. وفي المقابل فإن السعي لبعث الماضي عبر ورقة التجنيس يصطدم بتحول إستراتيجي صلب لم تعد فيه قواعد اللعبة القديمة صالحة، إذ يستند المغرب إلى واقع إستثماري وتنموي متجذر وحصانة قانونية وإشتراطات سيادية صريحة للانتماء الوطني، المغرب الذي تسلح باعترافات دولية متزايدة تبطل مفعول ورقة الابتزاز الديموغرافي وتفرض واقعية سياسية جديدة تجعل أي معاكسة إقليمية ذات كلفة باهظة وغير مجدية.

لقد تجاوزت أحداث سبتة الأخيرة بعدها الأمني المباشر لتشكل حجر زاوية في فهم مآلات العلاقات الإقليمية وديناميات الاستقرار في حوض المتوسط. فالتدفقات الهجرية الراهنة تمثل مقياس لعمق الأزمات الهيكلية المتصلة بنماذج التنمية الإجتماعية والإقتصادية، وعجزها عن إستيعاب التحولات الديموغرافية وطموحات الفئات الشبابية. ومن هنا فإن قراءة الظاهرة بمنظور أمني أحادي تعد قراءة قاصرة، إذ تشير المعطيات الإستشرافية إلى أن إستمرار التفاوت التنموي وغياب العدالة الإجتماعية بين ضفتي المتوسط سيبقيان محركين رئيسيين لموجات نزوح عابرة للحدود، مما يضع مفهوم الاستقرار الإقليمي برمنه على المحك. الأمر الذي يتطلب الإنتقال من مفهوم إدارة الأزمات إلى صناعة المستقبليات. فالحفاظ إسبانيا كشريك إقليمي يقتضي إعادة صياغة مقاربة الهجرة لتصبح ملف ثلاثي الأبعاد، تنموي وجيوسياسي وإنساني. وهنا لن يتأتى للسياسات العمومية الديمومة والنجاعة إلا بإحداث توازن دقيق بين المتطلبات السيادية وحماية الحدود من جهة، وبين خلق بيئات تمكينية وإستثمارية تحتضن الطاقات الشبابية في بلدان المنشأ من جهة أخرى، وهو الرهان الذي سيحدد شكل العلاقات الدولية في المنطقة ومستقبل الأمن القومي الممتد لعقود قادمة.

كما أنه علينا أن نقف على الوضع الداخلي المتشابك الذي يجعل الفاعل السياسي أمام مسؤولية تاريخية و مباشرة لإعادة تقييم الإستراتيجيات الوطنية، لا سيما أننا اليوم نقف على مسافة أيام قليلة من الإستحقاقات الانتخابية المقبلة. ولأن النجاح الحقيقي للسياسات العمومية لا يتحدد بالقدرة الإدارية أو الأمنية على ضبط المنافذ والممرات الحدودية ، بقدر ما يتوقف على القدرة السياسية والبرامجية على إقناع الفئات الشابة بأن البقاء في الوطن هو خيار واقعي محفوف بالأمل. ولتكون معه هذه المحطة الانتخابية القريبة إختبار حقيقي لمدى قدرة الأحزاب والنخب السياسية على تقديم تعاقد اجتماعي جديد، وليست مجرد تبار سياسي بنفس الأوراق والوجوه المهترأة، قائم على تحقيق العدالة المجالية، تعاقد سياسي جديد يوفر فرص الإندماج الإقتصادي والسياسي الفعال، واستعادة ثقة أجيال صاعدة باتت تترصدها أوهام الهجرة والتضليل الرقمي.

ختاما، إن الرسالة الأساسية الموجهة لصناع القرار والمؤسسات كافة تلخص حقيقة مفادها أن الهجرة في جوهرها ليست مجرد أزمة إدارة حدود، بل هي انعكاس مباشر لمدى جودة وفعالية الآفاق التنموية والسياسية المتاحة، وأن بناء الجدار الداخلي عبر التنمية الشاملة والحوكمة الرشيدة هو الضامن الأكيد لحماية السيادة الوطنية وتحصين المستقبل ضد كافة الرهانات والمناورات الخارجية.

د/ الحسين بكار السباعي
محلل سياسي وخبير إستراتيجي
مدير قطب إفريقيا والتعاون الدولي.
المركز الدولي للأمن والهجرة والتنمية.

زر الذهاب إلى الأعلى