سبتة ومليلية المحتلتان.. الاحتلال الإسباني الذي يحمي حدود أوروبا على حساب الجغرافيا والتاريخ

الدار/ إيمان العلوي
تُعيد موجات الهجرة غير النظامية التي تشهدها سبتة ومليلية المحتلتان تسليط الضوء على واحدة من أكثر المفارقات السياسية والجغرافية إثارة في العالم، حيث تحولت مدينتان تقعان فوق التراب الإفريقي، وتحاصرهما الأراضي المغربية من كل الجهات، إلى رأس حربة للسياسة الأوروبية في حماية حدودها الجنوبية، رغم استمرار الجدل التاريخي والقانوني حول وضعهما.
فالحديث عن سبتة ومليلية لا يقتصر على ملف الهجرة أو الأمن الحدودي، بل يمتد إلى واقع فرضه التاريخ الاستعماري، إذ ما تزال إسبانيا تحتفظ بالمدينتين رغم وجودهما داخل المجال الجغرافي للمغرب، في وقت يواصل فيه الاتحاد الأوروبي التعامل معهما باعتبارهما بوابة متقدمة لحماية فضاء الاتحاد من تدفقات الهجرة القادمة من إفريقيا.
وتكشف الأحداث المتكررة أن آلاف المهاجرين القادمين من دول إفريقيا جنوب الصحراء، أو حتى من مناطق أخرى داخل القارة، لا يعبرون إلى أوروبا بالمعنى الجغرافي عندما يصلون إلى سبتة أو مليلية، بل يبقون فوق الأراضي الإفريقية. غير أن الإدارة الإسبانية للمدينتين تجعل منهما حدودًا أوروبية مفروضة داخل القارة، وهو ما يخلق وضعًا استثنائيًا لا مثيل له في العالم.
وتبرز المفارقة بشكل أوضح عندما ينجح بعض المهاجرين في دخول المدينتين، إذ يكتشفون أن الوصول إليهما لا يعني الوصول إلى أوروبا القارية. فالإجراءات الأمنية والقانونية المفروضة تحول دون انتقالهم مباشرة إلى الأراضي الإسبانية في شبه الجزيرة الإيبيرية، ليجدوا أنفسهم عالقين داخل مراكز إيواء مغلقة، في انتظار قرارات إدارية قد تستغرق شهورًا أو حتى سنوات.
هذا الواقع يكشف أن سبتة ومليلية لم تعودا مجرد مدينتين تحت الإدارة الإسبانية، بل تحولتا إلى منطقة عازلة تخدم الاستراتيجية الأوروبية في احتواء الهجرة خارج حدود القارة، حيث يتم احتجاز المهاجرين عمليًا داخل الأراضي الإفريقية بدل السماح لهم بالوصول إلى العمق الأوروبي.
وفي المقابل، يواصل المغرب التأكيد على أن معالجة الهجرة غير النظامية لا يمكن أن تتم عبر المقاربات الأمنية وحدها، بل تستوجب تعاونًا متوازنًا يعالج الأسباب الاقتصادية والتنموية التي تدفع آلاف الشباب إلى المخاطرة بحياتهم. كما يرفض المغرب باستمرار أي محاولة لتحويله إلى حارس دائم للحدود الأوروبية، مؤكدًا أن مسؤولية تدبير الهجرة يجب أن تقوم على الشراكة واحترام المصالح المشتركة، لا على نقل الأعباء إلى دول الجوار.
وتؤكد الأزمات المتكررة في سبتة ومليلية أن استمرار الوضع القائم لا يعكس فقط تحديات الهجرة، بل يبرز أيضًا استمرار آثار حقبة استعمارية ما تزال تلقي بظلالها على شمال المغرب. فوجود جيبين أجنبيين فوق التراب الإفريقي يظل من أكثر الملفات حساسية في المنطقة، ويجعل من المدينتين رمزًا لتداخل قضايا السيادة والتاريخ والأمن والهجرة، في مشهد يعكس تناقضات السياسة الأوروبية أكثر مما يعكس واقع الجغرافي.






