أخبار دوليةسلايدر

وثيقة أممية عمرها نصف قرن تُسقط ورقةً ثقيلة: المغرب طالب رسمياً بإدراج سبتة ومليلية والجزر المحتلة ضمن مسار تصفية الاستعمار

الدار/ إيمان العلوي

في وثيقة رسمية محفوظة في أرشيف الأمم المتحدة، يعود تاريخها إلى 27 يناير 1975، وضع المغرب قضية سبتة ومليلية وباقي الثغور والجزر المحتلة أمام إحدى أهم الآليات الدولية المعنية بتصفية الاستعمار، في خطوة تكشف أن الرباط تعاملت مع هذا الملف، منذ عقود، باعتباره جزءاً من قضية أوسع تتعلق باستكمال وحدتها الترابية.

الرسالة، التي وجهها الممثل الدائم للمغرب لدى الأمم المتحدة آنذاك دريس السلاوي إلى رئيس اللجنة الخاصة المعنية بتنفيذ إعلان منح الاستقلال للبلدان والشعوب المستعمَرة، لم تترك مجالاً كبيراً للالتباس. فقد حددت بالاسم المناطق التي اعتبر المغرب استمرار الوجود الإسباني فيها امتداداً للماضي الاستعماري، وهي سبتة ومليلية، جزر الحسيمة، صخرة باديس والجزر الجعفرية.

وتكتسب الوثيقة أهميتها من كونها ليست تصريحاً سياسياً عابراً، بل مراسلة رسمية إلى جهاز أممي مختص بتصفية الاستعمار. فقد طلب المغرب إدراج هذه المناطق ضمن قائمة الأقاليم التي يمكن أن تنظر اللجنة في وضعها الاستعماري، مع تمكين الوفد المغربي من عرض موقف الرباط وتفصيل حججها أمام اللجنة.

وتقدم الرسالة تصوراً مغربياً واضحاً للقضية، يقوم على أن استرجاع الاستقلال سنة 1956 لم يكن، من وجهة نظر الرباط، نهاية لمسار الوحدة الترابية، وإنما بداية مرحلة جديدة لاستكمال تحرير ما تبقى من الأراضي التي تعتبرها المملكة مغربية.

وتستند الوثيقة كذلك إلى الاتفاق المغربي الإسباني المبرم في 27 أبريل 1956، الذي أنهى نظام الحماية الإسبانية على أجزاء من المغرب، لتؤكد أن الحكومة المغربية واصلت بعد ذلك مفاوضاتها مع مدريد بهدف استرجاع الأراضي التي بقيت خارج السيادة المغربية.

واللافت أن الرسالة لم تتعامل مع سبتة ومليلية باعتبارهما ملفين منفصلين، بل وضعت إلى جانبهما مجموعة الجزر والصخور الواقعة قبالة الساحل المتوسطي المغربي، بما يعكس تصوراً متكاملاً لما تعتبره الرباط آنذاك بقايا الوجود الاستعماري الإسباني في شمال المملكة.

كما استحضرت المراسلة مواقف سابقة للملك الحسن الثاني، من بينها خطاب ألقاه أمام مؤتمر رؤساء دول وحكومات حركة عدم الانحياز في بلغراد سنة 1961، للتأكيد على استمرار المغرب في المطالبة بالأراضي التي يرى أنها جزء من وحدته الترابية.

وتبرز الوثيقة أيضاً أن الرباط لم تكن تنظر إلى الملف باعتباره قضية ثنائية محضة مع إسبانيا، وإنما سعت إلى وضعه داخل الإطار الذي توفره القانونية والمؤسسات الدولية وآليات الأمم المتحدة الخاصة بإنهاء الاستعمار. وهذه نقطة سياسية ذات دلالة، لأنها تكشف أن الدبلوماسية المغربية كانت تحاول، منذ عقود، بناء مسار دولي موازٍ للمفاوضات المباشرة مع مدريد.

وبعد أكثر من خمسين عاماً، تستعيد هذه الوثيقة قيمتها السياسية والتاريخية، خصوصاً في ظل التحولات الكبيرة التي عرفتها العلاقات المغربية الإسبانية. فالعلاقة بين البلدين انتقلت من مراحل التوتر والمواجهة الدبلوماسية إلى شراكة استراتيجية واسعة، لكن ذلك لم يمحُ من الذاكرة السياسية المغربية ملف المدن والجزر التي تعتبرها الرباط أراضي مغربية ما زالت تحت السيطرة الإسبانية.

الأهم في الوثيقة أنها تنسف أي قراءة تعتبر المطالبة المغربية بسبتة ومليلية والجزر المحتلة موقفاً طارئاً أو وليد التطورات السياسية الحديثة. فالسجل الأممي نفسه يوثق أن المغرب حمل القضية إلى لجنة تصفية الاستعمار في سبعينيات القرن الماضي، وحدد بدقة المناطق التي يريد إدراجها في هذا المسار.

وبذلك، فإن ورقة مؤرخة في 27 يناير 1975 لا تقدم مجرد صورة من الماضي، بل تكشف عن فصل موثق من تاريخ الدبلوماسية المغربية: الرباط كانت قد وضعت سبتة ومليلية وباديس والجزر الجعفرية وجزر الحسيمة على الطاولة الأممية قبل أكثر من نصف قرن، وربطت قضيتها بمبدأ استكمال الوحدة الترابية وإنهاء ما تعتبره بقايا الاستعمار في شمال المغرب.

إنها وثيقة أرشيفية قديمة، لكن رسالتها السياسية لا تزال حاضرة: الملف لم يبدأ اليوم، ولم يسقط من أجندة المغرب.

زر الذهاب إلى الأعلى