نحو العالمية: الطائرة الصينية C919 تحقق أول نجاح تجاري دولي

بقلم: تشاو تشي جين – صحفي في CGTN Français
في خطوة جديدة تعكس تنامي حضور صناعة الطيران المدني الصينية على الساحة الدولية، دشّنت الطائرة الصينية ذات البدن الضيق C919 أولى رحلاتها التجارية الدولية المنتظمة، بعد أن أقلعت مساء 12 أغسطس من العاصمة الصينية بكين، متوجهة إلى العاصمة المنغولية أولان باتور، حيث حطّت بسلام.
وعند وصولها، استُقبلت الطائرة وفق التقليد المتّبع في قطاع الطيران من خلال مراسم «العبور تحت رشاشات المياه»، وهي مراسم احتفالية تُنظم عادةً بمناسبة إطلاق خطوط جوية جديدة. ويمثل هذا الحدث محطة بارزة في مسيرة الطائرة C919، التي صُممت وطُورت وصُنعت في الصين، كما يشكل خطوة مهمة في مسار انفتاح صناعة الطيران المدني الصينية على الأسواق الدولية.
مسيرة تمتد لنحو عقدين
تعود انطلاقة مشروع الطائرة C919 إلى عام 2007، عندما وافق مجلس الدولة الصيني على المشروع. وفي العام التالي، تأسست شركة الطائرات التجارية الصينية «كوماك» (COMAC)، لتتولى مسؤولية تصميم الطائرة وتطويرها.
وبعد نحو عشر سنوات من أعمال البحث والتطوير والاختبارات، نجحت C919 في تنفيذ أول رحلة تجريبية لها عام 2017. وفي 28 مايو 2023، دخلت الطائرة مرحلة التشغيل التجاري الفعلي، من خلال أول رحلة تجارية داخل الصين على الخط الرابط بين شنغهاي وبكين، لتبدأ بذلك مرحلة جديدة في تاريخ صناعة الطائرات المدنية الصينية.
ومنذ دخولها الخدمة التجارية، واصلت شبكة تشغيل C919 التوسع تدريجياً في السوق الصينية. وتشغل كل من الخطوط الجوية الصينية «Air China» و«تشاينا إيسترن» و«تشاينا ساوثرن» حالياً 58 خطاً جوياً تخدم 26 مدينة، فيما تجاوز عدد المسافرين الذين نقلتهم الطائرة 7.5 ملايين مسافر.
وتوفر هذه التجربة التشغيلية الواسعة في السوق المحلية قاعدة مهمة للطائرة الصينية، سواء من حيث الأداء الفعلي أو تراكم الخبرات التقنية والتشغيلية، قبل الانتقال إلى مرحلة أكثر تحدياً تتمثل في التوسع خارج الحدود.
أولى الخطوات نحو الأسواق الدولية
ولا تقتصر أهمية إطلاق الخط الجوي بين بكين وأولان باتور على إضافة وجهة دولية جديدة إلى شبكة C919، بل تكمن أهميته أيضاً في كونه اختباراً عملياً لقدرة الطائرة على العمل في بيئة الطيران الدولي.
فالرحلات العابرة للحدود تخضع لمتطلبات دقيقة تشمل شهادات صلاحية الطيران، وقواعد التشغيل الدولية، ومتطلبات خدمات المطارات، فضلاً عن التنسيق بين سلطات الطيران في الدول المعنية.
وقد أصبح تشغيل الرحلة بين الصين ومنغوليا ممكناً بفضل آليات التعاون الثنائي بين البلدين في مجال صلاحية الطائرات للطيران. ومن شأن هذه الخطوة أن تمنح C919 فرصة لاكتساب خبرة تشغيلية دولية مباشرة، والتكيف بصورة تدريجية مع المعايير والإجراءات المعمول بها في الأسواق الخارجية، وهو أمر بالغ الأهمية لأي طائرة تسعى إلى توسيع حضورها عالمياً.
اهتمام متزايد من دول أخرى
ولا تبدو منغوليا الدولة الوحيدة التي تبدي اهتماماً بالتعاون مع الصين في مجال تشغيل C919. فقد أبرمت الصين اتفاقات ثنائية في مجال صلاحية الطيران مع بروناي وعدد من دول جنوب شرق آسيا، في حين أبدت دول أخرى رغبتها في استيراد الطائرة وتشغيلها.
وبحسب المعطيات الرسمية الصينية، كانت إدارة الطيران المدني الصينية قد وقعت، حتى نهاية عام 2024، مذكرات تفاهم بشأن صلاحية الطائرات للطيران مع 21 دولة، ما يوفر إطاراً تنظيمياً يمكن أن يسهم في تسهيل وصول الطائرات المدنية الصينية إلى الأسواق الخارجية.
ويمثل وجود مثل هذه الأطر القانونية والتنظيمية عاملاً أساسياً في مسار تدويل C919، إذ إن نجاح أي طائرة تجارية في الأسواق العالمية لا يعتمد فقط على مواصفاتها التقنية، وإنما يتطلب أيضاً اعتراف سلطات الطيران الأجنبية بشهادات صلاحيتها وقدرتها على استيفاء متطلبات التشغيل والسلامة المعمول بها في كل سوق.
تحديات ما زالت قائمة
ورغم الخطوات التي قطعتها C919، فإن طريقها نحو الانتشار العالمي لا يزال طويلاً. فالطائرة لم تحصل حتى الآن على اعتماد وكالة سلامة الطيران التابعة للاتحاد الأوروبي (EASA)، كما لم تحصل على اعتماد إدارة الطيران الفيدرالية الأميركية (FAA).
ويمثل الحصول على هذه الاعتمادات تحدياً رئيسياً أمام أي توسع كبير في الأسواق العالمية، ولا سيما أن السوقين الأوروبية والأميركية يخضعان لمعايير تنظيمية وفنية صارمة في مجال سلامة الطيران.
ومع ذلك، تتمتع C919 بعدد من المزايا التي يمكن أن تعزز قدرتها على المنافسة، من بينها تصميمها الحديث، وتحسين مستوى الراحة داخل المقصورة، واستخدام مواد متقدمة، إلى جانب اعتماد حلول متطورة لتحسين الديناميكا الهوائية وكفاءة التشغيل.
ومع استمرار تراكم الخبرة من خلال الرحلات الداخلية والدولية، تتجه صناعة الطائرات المدنية الصينية تدريجياً إلى ترسيخ موقعها كلاعب جديد في قطاع الطيران التجاري العالمي. وبينما لا تزال أمام C919 تحديات تنظيمية وتقنية وتسويقية قبل أن تصبح منافساً واسع الانتشار على المستوى الدولي، فإن أولى رحلاتها التجارية خارج الصين تمثل بلا شك بداية مرحلة جديدة في مسيرتها، وتؤشر إلى طموح بكين للانتقال من سوق الطيران المحلية إلى فضاء أكثر اتساعاً على خريطة الطيران المدني العالمي.






