أخبار الدارسلايدر

روبيو يرفع شعار «السلام بالقوة».. هل وصلت رسالة واشنطن إلى تندوف والجزائر؟

الدار/ إيمان العلوي

لم تكن عبارة «السلام بالقوة» التي أعاد وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو التأكيد عليها في خضم اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة مجرد شعار دبلوماسي عابر، بل تعكس توجهاً أمريكياً أوسع في التعامل مع النزاعات الدولية، يقوم على الجمع بين القوة، والاستقرار، والازدهار الاقتصادي، واحترام سيادة الدول.

روبيو أوضح أن الرئيس دونالد ترامب جعل من هذه المبادئ ركائز لقيادة الولايات المتحدة على الساحة الدولية، في وقت أكدت فيه وزارة الخارجية الأمريكية أن أجندة واشنطن خلال الأسبوع رفيع المستوى للجمعية العامة تقوم على السلام والازدهار وأولوية الدول، مع احترام السيادة الوطنية.

ومن هنا، تبرز أهمية قراءة هذا الخطاب من زاوية النزاعات الإقليمية التي طال أمدها، وفي مقدمتها النزاع حول الصحراء المغربية.

فإذا كانت واشنطن تقول إن السلام ينبغي أن يستند إلى القوة، وإن السيادة الوطنية ينبغي أن تكون محل دفاع، فإن الرسالة السياسية التي يمكن أن تُفهم من هذا التوجه هي أن مرحلة إدارة النزاعات إلى ما لا نهاية ليست بالضرورة هي القاعدة التي تريد الولايات المتحدة تكريسها.

وبالنسبة إلى جبهة البوليساريو، فإن هذا التحول في الخطاب الدولي يحمل دلالة سياسية واضحة: الاستمرار في التشبث بأطروحة الانفصال لا يكفي، في حد ذاته، لصناعة تسوية، خصوصاً عندما تتجه القوى الدولية نحو دعم حلول عملية وواقعية تراعي الاستقرار والسيادة والتنمية.

أما بالنسبة إلى الجزائر، فإن الرسالة تلامس بشكل غير مباشر جوهر الدور الذي تلعبه في هذا الملف؛ إذ إن تحويل النزاع إلى قضية مفتوحة دون أفق تسوية نهائية يتعارض مع منطق الاستقرار الإقليمي الذي تضعه واشنطن ضمن أولوياتها المعلنة.

وتزداد دلالة الموقف الأمريكي عندما يوضع في سياق سياسة واشنطن تجاه المغرب. فقد اعترفت الولايات المتحدة رسمياً، في ديسمبر 2020، بسيادة المغرب على الصحراء، وهو الموقف الذي أكدت تقارير حديثة استمرار واشنطن في التمسك به.

وعليه، فإن الحديث الأمريكي عن السيادة والقوة والسلام والازدهار لا يمكن فصله عن البيئة السياسية التي تتحرك فيها قضية الصحراء المغربية، وإن كان من الضروري التأكيد أن روبيو لم يذكر جبهة البوليساريو أو الجزائر بالاسم في التصريح المشار إليه.

لكن في القراءة السياسية الأوسع، فإن الرسالة تبدو بمثابة تحذير منطقياً موجهاً إلى كل من يراهن على إدامة النزاعات أو فرض أمر واقع خارج منطق التسويات السياسية: العالم الذي تتحدث عنه إدارة ترامب لا يضع الاستقرار في مواجهة القوة، وإنما يرى في القوة إحدى أدوات حماية السلام، وفي التنمية الاقتصادية إحدى ركائز تثبيت الاستقرار.

وهنا تبرز المبادرة المغربية للحكم الذاتي باعتبارها الطرح الذي تقدمه الرباط لتسوية النزاع في إطار السيادة المغربية، في مقابل استمرار جبهة البوليساريو في المطالبة بالانفصال.

كما أن التركيز الأمريكي على الازدهار الاقتصادي يحمل بعداً إضافياً بالنسبة لمنطقة المغرب العربي؛ فالمغرب يربط قضية أقاليمه الجنوبية بمشاريع تنموية واستثمارات وبنيات تحتية وشراكات اقتصادية، بينما يظل النزاع الإقليمي أحد العوامل التي تعرقل بناء فضاء مغاربي أكثر تكاملاً.

ومن هذه الزاوية، يمكن فهم عبارة «السلام بالقوة» باعتبارها جزءاً من رؤية أمريكية أوسع تقول إن الاستقرار لا يتحقق بمجرد تجميد الأزمات، وإنما من خلال معالجة أسبابها، وحماية الدول وسيادتها، وخلق الظروف الاقتصادية والسياسية التي تجعل السلام قابلاً للاستمرار.

وبالنسبة إلى البوليساريو والجزائر، فإن التحدي الذي تطرحه هذه الرؤية لا يكمن في العبارة نفسها، وإنما في التحول الذي تعكسه: كلما أصبح معيار الحل مرتبطاً بالواقعية والاستقرار والسيادة والتنمية، تقل مساحة المناورة أمام المشاريع التي تعتمد على إبقاء النزاع مفتوحاً دون تسوية سياسية نهائية.

وفي هذا السياق، تبدو رسالة واشنطن أقرب إلى إعادة ترتيب للأولويات الدولية: القوة لحماية السلام، والسيادة لحماية الدول، والتنمية لترسيخ الاستقرار، والحلول الواقعية لإنهاء النزاعات.

وهي معادلة، إذا ما استمرت في ترسيخ حضورها داخل السياسة الدولية، فإنها تفرض على مختلف أطراف النزاع حول الصحراء المغربية إعادة حساباتها، وعلى رأسها جبهة البوليساريو والجزائر، في اتجاه البحث عن تسوية سياسية قابلة للتنفيذ بدل الاستمرار في استنزاف الزمن والمنطقة في نزاع طال أمده.

زر الذهاب إلى الأعلى