أخبار دوليةسلايدر

ترسيم حدود السودان البحرية مع السعودية يثير جدلا “سياديا”

الدار/

تكثف المملكة العربية السعودية تحركاتها من أجل إحياء اتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع السودان، على الرغم من الظروف التي يمر بها الأخير، والمتمثلة في الحرب المدمرة التي تدور رحاها هناك.
ويعيش السودان منذ 15 أبريل في حالة حرب بين الجيش السوداني بقيادة الفريق أول عبدالفتاح البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة الفريق أول محمد حمدان دقلو، خلفت الكثير من الضحايا والدمار للبنية التحتية، ونتجت عنها أكبر أزمة إنسانية في العالم بحسب وصف الأمم المتحدة.
وعلى الرغم من دقة الظرف وحرجه، تواصل المملكة العربية السعودية تحركاتها من أجل ضمان ترسيم الحدود البحرية في أسرع وقت، على الرغم من انتظار هذا الملف لأكثر من نصف قرن بدون حسم وتسوية نهائية.
وفي ظل هذا الظرف، حيث يعاني السودان من الحرب وحالة انقسام غير مسبوقة، وأيضا عدم وجود شرعية، تبقى الخطوة ملفتة للانتباه، لجهة ما يترتب عليها من اتفاقية قد تؤثر على الأجيال والمستقبل، دون أن تكون للمؤسسات السودانية التي تمتلك الحقوق في البت في هذه المسائل، مثل البرلمان المنتخب، كلمة ولا وجود.
انتظار لنصف قرن وتحرك مفاجئ
تعود جذور ملف الحدود البحرية بين البلدين إلى اكتشاف رواسب معدنية مهمة في قاع البحر الأحمر منذ ستينيات القرن الماضي، وتحديدا في المنطقة الواقعة بين الساحلين السعودي والسوداني.
ووفقا لموقع “الراكوبة” الإخباري، توصل الطرفان، في مايو 1974، إلى اتفاق لتنظيم استغلال الموارد البحرية، وقُسمت المنطقة إلى ثلاثة نطاقات رئيسية: نطاق غربي بمحاذاة الساحل السعودي حتى عمق ألف متر، ونطاق شرقي بمحاذاة الساحل السوداني حتى العمق نفسه، ومنطقة مشتركة تُمنح فيها حقوق متساوية للطرفين.
غير أن هذا الاتفاق لم يكن ترسيما نهائيا للحدود البحرية بقدر ما كان ترتيب لتنظيم الاستغلال وتجميد الخلافات مؤقتا، كما أُنشئت اللجنة السعودية–السودانية لتنمية موارد البحر الأحمر، برئاسة وزيري الثروة المعدنية في البلدين، مع مساهمة وتمويل سعودي أكبر في عمليات الاستكشاف والتطوير.
وقد تثور عدة تساؤلات هنا، مفادها سبب بقاء هذا الترتيب طوال هذه المدة من دون أن يتحول إلى اتفاق نهائي واضح يحدد الحدود البحرية والحقوق السيادية والاقتصادية لكل طرف؟ فيما تبرز أسئلة حيرى أخرى، عن مدى استفادة المملكة من هذا الوضع، باعتبارها الطرف الأكثر استقرارا وقدرة من النواحي المالية والتقنية على الاستفادة القصوى من هذا الوضع مقارنة مع.
الجدير بالذكر أن بعض التقييمات للموارد الموجودة في المناطق محل الترتيب والتفاهم القديم تقدر بمليارات الدولارات.
البرهان في قلب الترسيم الجديد
على الرغم من الحرب المستعرة في البلاد، وفقدانه للشرعية، بدا قائد الجيش والحاكم الفعلي للبلاد بفعل الأمر الواقع الفريق أول عبدالفتاح البرهان أكثر انفتاحا على إكمال ترسيم الحدود البحرية مع السعودية، في خطوة تصنف في اتجاه حاجته للدعم المادي والعسكري لمواجهة متطلبات الحرب.
وكانت وزارة الخارجية الأمريكية أكدت على لسان المتحدث باسمها تومي بيجوت، في بيان صدر في 8 سبتمبر 2026 أن القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع وكذلك قيادتيهما “لا يمثلون حكما شرعيا ودستوريا للسودان”.
وبحسب معلومات موثقة، ترأس البرهان في 14 سبتمبر/أيلول 2026 اجتماع لجنة سودانية منشأة بموجب القرار رقم 266 لسنة 2026، ضمن ترتيبات مرتبطة بالجانب المالي والاستثماري للمجلس الأعلى للتعاون والتنسيق الاستراتيجي بين السودان والسعودية.
وخرج الاجتماع بخطوات تتجاوز الجانب الإداري، فقد اختيرت هيئة الموانئ البحرية جهة اتحادية للتنسيق بين المؤسسات المدنية والعسكرية، ومنحت السكرتارية التنفيذية صلاحية الاطلاع المباشر على الوثائق والخرائط التاريخية المتعلقة بالبحر الأحمر والحدود.
كما تقرر إنشاء لجنة فنية تضم المفوضية القومية للحدود والقوات البحرية لمراجعة الخرائط والوثائق القانونية ووضع رؤية فنية لترسيم الحدود، إلى جانب تطوير مراكز وطنية للرصد والمراقبة البحرية بالتنسيق مع موانئ جدة وينبع.
وكان السودان، قد بدأ السودان في فبراير/شباط 2025 تحريك ملفه عبر لجنة قانونية لترسيم خط الأساس، مستندا إلى خطوط أساس أودعها لدى الأمم المتحدة عام 2017، العام نفسه الذي اعترض فيه على اتفاق الحدود البحرية بين مصر والسعودية بسبب ارتباطه بمثلث حلايب.
بحر أحمر يُعاد رسم موازينه وسط تساؤلات عن السيادة
يجري هذا كله وسط سباق إقليمي مفتوح على أمن الملاحة والطاقة والموانئ في البحر الأحمر وباب المندب، حيث تمضي السعودية في تثبيت نفوذها الأمني على الساحلين بخطى حثيثة، بينما لا تملك سلطة بورتسودان أكثر من دور المتلقي والطالب للدعم المادي والعسكري.
ومن الواضح أن التعاون السوداني السعودي ينتقل إلى ملفات تمس بصورة مباشرة إدارة البحر الأحمر والحقوق السيادية والاقتصادية المرتبطة به، وهي خطوة تكتسب أهمية إضافية في ضوء الدور المتنامي للمجلس الأعلى للتعاون والتنسيق الاستراتيجي في العلاقة بين الرياض والسلطة التي يقودها البرهان.
وهنا تظهر المسألة الأكثر حساسية داخل السودان، فالمعلومات المتاحة تكشف تقدما في العمل الفني في ملف أكثر حساسية، في وقت تفتقد فيه سلطة بورتسودان للشرعية التي تخولها القيام بذلك.
ومن جهة أخرى، يفتح غياب برلمان منتخب سؤالا حول الجهة التي تملك صلاحية إقرار اتفاق دولي نهائي لترسيم الحدود البحرية، إذا انتقلت التحركات الحالية من إعداد الخرائط والرؤية الفنية إلى توقيع اتفاق ملزم يمس السيادة والموارد.

زر الذهاب إلى الأعلى