فرنسا تشتعل في مدارسها.. جيل Z يصعّد والشرطة في المواجهة وتسجيل آلاف التوقيفات

الدار/ سارة الوكيلي
لم تعد الاحتجاجات التي يقودها تلاميذ وطلاب في فرنسا مجرد تحركات مطلبية عابرة داخل المؤسسات التعليمية. فخلال أيام قليلة، انتقل الغضب من أبواب المدارس والثانويات إلى الشوارع، ومن المطالبة بتحسين ظروف الدراسة إلى مواجهات مع قوات الأمن، في مشهد يضع الدولة الفرنسية أمام واحدة من أكثر موجات الاحتقان الشبابي حساسية خلال الفترة الأخيرة.
نحو 400 مؤسسة تعليمية مغلقة، وحوالي ألفي موقوف، غالبيتهم الساحقة من القاصرين، وإصابات طالت موظفين ومديري ثانويات، فيما اتسعت دائرة المواجهات بين المحتجين والشرطة في عدد من المدن. أرقام تكشف أن ما يحدث لم يعد مجرد احتجاج طلابي محدود، بل أصبح أزمة وطنية تتقاطع فيها المطالب التعليمية مع التوتر الاجتماعي والسياسي والأمني.
في الشوارع، تبدو الصورة أكثر توتراً. مجموعات من التلاميذ والطلاب تسعى إلى تعطيل الدراسة وإغلاق مداخل المؤسسات، بينما تتدخل الشرطة لتفريق التجمعات وإعادة فتح الطرق والمرافق. وفي بعض المواقع، تحولت الاحتجاجات إلى أعمال تخريب ورشق للقوات الأمنية وإحراق، ما دفع السلطات إلى تعزيز الانتشار الأمني وتشديد إجراءاتها.
لكن خلف هذه المشاهد الصاخبة توجد قضية أخرى لا يمكن تجاهلها: المدرسة الفرنسية نفسها أصبحت مصدر احتجاج.
فالمحتجون يرفعون مطالب مرتبطة بالبنية التحتية المتقادمة في عدد من المؤسسات، ونقص التجهيزات والموارد، والاكتظاظ، وظروف العمل داخل المدارس، فضلاً عن طول ساعات الدراسة والضغط الأكاديمي المتزايد الذي يرافق التلاميذ في مراحل التعليم المختلفة.
بالنسبة إلى هؤلاء الشباب، لا يتعلق الأمر فقط بمقاعد دراسية أو ساعات حضور داخل الفصل، وإنما بصورة أوسع عن مستقبلهم. فجيل يعيش في ظل منافسة أكاديمية متزايدة وضغوط مرتبطة بالولوج إلى التعليم العالي وسوق العمل يجد نفسه يطالب بمؤسسة تعليمية يرى أنها يجب أن توفر له ظروفاً أفضل للاستعداد للمستقبل.
غير أن الاحتجاج فقد شيئاً من طابعه المطلبي عندما دخلت المواجهة الأمنية إلى المشهد.
فإغلاق المدارس والتجمعات أمام المؤسسات التعليمية يمكن أن يبقى في إطار الاحتجاج المدني، لكن عندما تتحول بعض التحركات إلى تخريب أو اعتداءات أو مواجهات مع الشرطة، يصبح الملف أمام معادلة مختلفة تماماً. وهنا تدخل الدولة في سباق بين الحفاظ على النظام العام ومنع اتساع العنف، وبين تفادي تحويل التدخل الأمني إلى عامل إضافي لتغذية الاحتقان.
وتزداد حساسية المشهد لأن نسبة كبيرة من الموقوفين من القاصرين. فكل عملية توقيف تلميذ، وكل صورة لمواجهة بين الشرطة وشاب في سن الدراسة، تحمل أثراً سياسياً واجتماعياً يتجاوز تفاصيل الواقعة نفسها.
ومن هنا بدأت تظهر في فرنسا مواجهة أخرى، لا تدور في الشارع فقط، وإنما في الخطاب السياسي والإعلامي: هل الأولوية الآن لمعالجة أسباب الغضب داخل المدرسة، أم لاستعادة السيطرة على المؤسسات والشوارع أولاً؟
الحكومة تميل إلى التشديد على أن الاحتجاج لا يمكن أن يتحول إلى مبرر للعنف والتخريب والاعتداء على الشرطة أو العاملين في المؤسسات التعليمية. وفي المقابل، تنتقد أصوات سياسية ونقابية وحقوقية أسلوب التعامل الأمني مع الاحتجاجات، وتحذر من أن استخدام القوة ضد القاصرين قد يزيد المسافة بين الدولة وهذا الجيل.
وبذلك أصبحت المدرسة الفرنسية نقطة تقاطع بين أزمتين: أزمة ثقة بين الشباب والمؤسسات، وأزمة أمنية نتجت عن تحول جزء من الاحتجاج إلى مواجهات في الشارع.
كما أن سرعة انتشار التحركات تكشف الدور المتزايد لشبكات التواصل الاجتماعي في تعبئة جيل Z. فالدعوات إلى الاحتجاج والصور ومقاطع المواجهات تنتقل خلال وقت قصير بين المدن والمؤسسات، بما يجعل من الصعب على السلطات احتواء التحركات باعتبارها أحداثاً محلية منفصلة.
وفي المقابل، فإن هذا الانتشار السريع يجعل المشهد أكثر عرضة للتصعيد، لأن الأحداث المحلية يمكن أن تتحول في غضون ساعات إلى قضية وطنية، خصوصاً عندما تنتشر صور توقيفات أو مواجهات بين الشرطة والمحتجين.
وهنا تبرز مشكلة أخرى: من يتحدث باسم هذا الجيل؟
فالاحتجاجات لا تبدو بالضرورة كتلة سياسية واحدة. هناك من يركز على المدارس والبنية التحتية وساعات الدراسة، وهناك من يرفع مطالب اجتماعية وسياسية أوسع، فيما تحاول أطراف سياسية تفسير الحركة وربطها بالصراع السياسي الداخلي.
وتبقى هذه النقطة محل تجاذب، خصوصاً مع تبادل الاتهامات حول محاولات توظيف الاحتجاجات الشبابية سياسياً. وبينما تنفي جهات سياسية اتهامات الحكومة بشأن مسؤوليتها عن أعمال العنف، يبقى من الصعب اختزال حركة بهذا الحجم في جهة واحدة أو تفسير جميع مظاهرها بالمنطق نفسه.
ما يجري في فرنسا يكشف في النهاية عن جيل شاب يريد أن يُسمع صوته، لكنه يفعل ذلك داخل بيئة اجتماعية وسياسية متوترة أصلاً. وعندما تتقاطع المطالب التعليمية مع الغضب الاجتماعي والتعبئة الرقمية، يصبح الانتقال من الاحتجاج السلمي إلى المواجهة أسرع وأكثر خطورة.
أما الحكومة الفرنسية، فتواجه الآن معادلة دقيقة: إصلاح ما يعتبره المحتجون اختلالات داخل المدرسة، وفي الوقت نفسه منع تحول الشارع التعليمي إلى مساحة مفتوحة للعنف والتخريب.
وبينما تستمر المدارس المغلقة وترتفع حصيلة التوقيفات، يبقى السؤال الحقيقي أبعد من أرقام الاعتقالات أو عدد المؤسسات المتضررة: هل تستطيع فرنسا تحويل غضب جيل Z إلى نقاش جدي حول المدرسة ومستقبل الشباب، أم أن استمرار المواجهة سيجعل المؤسسات التعليمية نفسها عنواناً لصراع أوسع بين جيل جديد ودولة تكافح لاستعادة الهدوء؟
في كل الأحوال، فإن مشهد التلاميذ في الشوارع، والمدارس المغلقة، والشرطة المنتشرة، وآلاف التوقيفات، يقدم صورة واضحة عن حجم الهوة التي باتت تحتاج إلى معالجة سياسية وتربوية واجتماعية، وليس أمنية فقط.






