أخبار الدارسلايدر

ليست الدولة مرادف للحكومة ولا يجوز إختزال الوطن ومؤسساته في فريق سياسي يتولى السلطة خلال مرحلة زمنية محددة. فالدولة كيان قانوني وسياسي دائم يستند إلى الشعب والإقليم والسيادة والمؤسسات، بينما تمثل الحكومة جهاز تنفيذي مؤقت تتولى إدارة الشأن العام وفق الدستور والقانون، وتستمد شرعيتها من آليات سياسية قابلة للتجدد والتغيير.وتتغير الحكومات بالإنتخابات أو الإستقالة أو الإعفاء أو إنتهاء الولاية، لكن الدولة لا تزول بتغير الحكومات ولا تنقطع إستمراريتها بتبدل السياسات. فبقاء الدولة مرتبط بإستمرار مؤسساتها وقواعدها الدستورية ووظائفها السيادية، لا ببقاء الأشخاص الذين يديرونها في مرحلة بعينها.

لقد عبر الفقيه الفرنسي جورج بوردو عن جوهر هذه الفكرة بقوله إن الناس “اخترعوا الدولة كيلا يطيعوا الأشخاص”، فالدولة في معناها الحديث سلطة مؤسسة لا سلطة شخصية، أي إن تدبير دوالب السلطة فيها يقوم على قواعد عامة ومؤسسات دائمة تحدد الإختصاصات وتضبط ممارسة السلطة وتحمي الحقوق.
أما ماكس فيبر فقد عرف الدولة بأنها “الجماعة البشرية التي تحتكر داخل إقليم محدد الإستعمال المشروع للقوة”. ويكشف هذا التعريف أن الدولة أوسع بكثير من الحكومة لأنها تشمل الإقليم والشعب والمؤسسات والأجهزة السيادية والنظام القانوني الذي ينظم العلاقة بين السلطة والمجتمع. ومن منظور قانوني ينظر هانس كلسن إلى الدولة بوصفها “نظام قانوني متكامل من القواعد والمؤسسات، لا مجرد مجموعة من الأشخاص الموجودين مؤقتا في مواقع الحكم”. وعلى هذا الأساس فإن نقد الحكومة أو الإعتراض على سياساتها لا يعني معاداة الدولة، بل قد يكون أحد أشكال الدفاع عنها متى إستند إلى القانون والمسؤولية والحرص على المصلحة العامة. فالحكومة تسأل سياسيا وقانونيا عن قراراتها، وتخضع للمراقبة والمحاسبة، بينما تظل الدولة الإطار الجامع الذي يحتضن الجميع ويحمي الدستور والمؤسسات والحقوق والحريات.

إن الخلط بين الدولة والحكومة يضر بالدولة قبل غيرها لأنه يحول الخلاف السياسي المشروع إلى إتهام في الوطنية، ويمنح السلطة التنفيذية حصانة غير مستحقة ويجعل معارضة سياساتها تبدو وكأنها اعتراض على الوطن ذاته. وهذه نزعة خطيرة تضعف الثقة بالمؤسسات وتغلق المجال العام وتؤسس لفكرة مفادها أن الولاء للدولة لا يتحقق إلا عبر تأييد الحكومة وهو تصور يناقض جوهر الدولة الدستورية.
كما أن الدولة ملك للمجتمع وليس لحزب أو حكومة أو أغلبية عابرة. والحكومة تدار بإسم المواطنين ولخدمتهم، لكنها لا تختزل الوطن ولا تحتكر مفهوم الوطنية ولا تملك تحويل مؤسسات الدولة إلى أدوات للصراع السياسي. فالحكومة قد تنجح أو تخفق وقد تنتخب أو تستبدل، أما الدولة فتبقى ويقاس نضجها بقدرتها على ضمان التداول السلمي للسلطة، وإستمرار المؤسسات وإحترام القانون وحماية الحقوق وصون المصلحة العامة.

ختاما، ستزداد الحاجة مستقبلا إلى ترسيخ هذا التمييز لا سيما في ظل التحولات السياسية والرقمية والإجتماعية التي تجعل الرأي العام أكثر تأثير والمساءلة أكثر حضور وحدود السلطة أكثر انكشاف. فإستقرار الدول لا يتحقق بإسكات النقد بل ببناء مؤسسات قادرة على إستيعابه وتحويله إلى إصلاح. والدولة القوية ليست التي تخلط بين بقائها وبقاء حكومتها بل التي تضمن أن تتغير الحكومات من دون أن تهتز أسس الدولة، وأن تتبدل السياسات من دون أن تضيع الحقوق وأن يبقى الوطن أوسع من كل سلطة عابرة.

د/ الحسين بكار السباعي
محلل سياسي وخبير إستراتيجي
مدير قطب إفريقيا والتعاون الدولي
المركز الدولي للأمن والهجرة والتنمية

زر الذهاب إلى الأعلى