
لم تكن المباراة الأخيرة لليونيل ميسي بقميص منتخب الأرجنتين مجرد إسدال للستار على مسيرة دولية حافلة، بل تحولت إلى ليلة وفاء لنجم صنع، على امتداد عقدين، بعضا من أجمل صفحات كرة القدم الأرجنتينية، وسط مشاعر امتزجت فيها دموع اللاعبين بهتافات أكثر من 85 ألف متفرج غصت بهم مدرجات “المونومينتال”.
وتوارت نتيجة المباراة الودية أمام بنين، التي حسمها “الألبيسيليستي” بثلاثية نظيفة، خلف رمزية الحدث مساء الثلاثاء. كان الرقم 10 محور كل شيء: الهتافات، والعناق، والدموع، والقميص المصمم خصيصا لهذه المناسبة، في ليلة بدا فيها أن كرة القدم نفسها تفسح المجال لوداع أحد أكبر رموزها.
ومنذ اللحظات الأولى، كان واضحا أن الأمسية لن تكون عادية. ومع عزف النشيد الوطني، لم يتمالك ميسي دموعه، فيما بدت علامات التأثر واضحة على المدرب ليونيل سكالوني وعدد من رفاقه. مجموعة اعتادت خوض أكبر المواعيد الكروية وجدت نفسها هذه المرة أمام امتحان من نوع آخر: وداع قائد رافقها في الانكسارات قبل أن يقودها إلى المجد.
وقفة وفاء في “المونومينتال وفي الدقيقة العاشرة، توقف اللعب لبرهة. نهضت الجماهير دفعة واحدة ورددت اسم ميسي في مشهد غمر أرجاء الملعب، بينما انضم لاعبو بنين إلى لحظة التكريم.
لكن ميسي لم يرد لمباراته الأخيرة أن تكون مجرد احتفال بوداعه. وكما فعل مرات لا تحصى طوال مسيرته، ترك بصمته داخل الملعب أيضا، حين نفذ ركلة جزاء بنجاح، مسجلا الهدف الثالث للأرجنتين والـ126 له بقميص المنتخب.
وبعد صافرة النهاية، بقيت الجماهير في أماكنها وكأنها ترفض أن تنتهي الليلة. أمام المدرجات الممتلئة، استحضر ميسي ذكرى والده الذي رحل قبل أشهر، ثم عاد بذاكرته إلى عشرين عاما قضاها مع المنتخب.
وقال: “لقد كان الدفاع عن هذا القميص طوال عشرين عاما أمرا بالغ الأهمية بالنسبة لي”، معربا عن امتنانه لزملائه الذين ساعدوه، كما قال، على “الفوز بكل الألقاب الممكنة”، قبل أن يختصر وقع الوداع بعبارة مؤثرة: “عدم العودة مجددا سيكون أكثر إيلاما”.
وبينما سارع زملاؤه لاحتضان “ليو”، تحدث رودريغو دي بول عن الأثر الذي تركه ميسي في حياته، مؤكدا أنه ساعده على أن يصبح “إنسانا وأبا وصديقا أفضل”. أما أنخيل دي ماريا، الذي تقاسم معه سنوات الخيبات كما لحظات التتويج الكبرى، فأقر بصعوبة تخيل المنتخب الأرجنتيني من دون قائده التاريخي.
من الشك إلى الإجماع يغادر ميسي “الألبيسيليستي” بعد 208 مباريات دولية سجل خلالها 126 هدفا، متربعا على صدارة أكثر اللاعبين تمثيلا للمنتخب وتهديفا، إلى جانب مكانته كأبرز صانعي الأهداف في تاريخه.
غير أن علاقته بالمنتخب لم تكن دائما بهذه السهولة. فقد غادر الأرجنتين إلى إسبانيا في سن مبكرة، وظل لسنوات أسير المقارنات بدييغو مارادونا، كما لاحقته الانتقادات إثر سلسلة من النهائيات الخاسرة، إلى حد إعلانه الاعتزال الدولي عقب كوبا أمريكا 2016 قبل أن يتراجع عن قراره.
وجاء التحول الكبير مع التتويج بكوبا أمريكا عام 2021، الذي أنهى سنوات الانتظار، قبل إحراز “الفيناليسيما” في 2022 ثم بلوغ القمة بالتتويج بكأس العالم في قطر.
وتواصلت المسيرة بإحراز كوبا أمريكا 2024، ثم قيادة الأرجنتين إلى نهائي مونديال 2026 أمام إسبانيا، لتصبح العلاقة التي عرفت زمنا طويلا من الشد والجذب بين ميسي وجماهير بلاده علاقة استثنائية، اختزلتها ليلة الوداع في “المونومينتال”.
وتمتد مكانة ميسي إلى أبعد من حدود المنتخب الأرجنتيني. فصاحب الكرات الذهبية الثماني، والمتوج أربع مرات بدوري أبطال أوروبا وست مرات بالحذاء الذهبي الأوروبي، ظل لأكثر من عقدين أحد أبرز وجوه كرة القدم العالمية ومصدر إلهام لأجيال متعاقبة من عشاق اللعبة.
وجاءت رسائل نجوم اللعبة لتؤكد هذه المكانة. فقد أشاد البرازيلي نيمار بما قدمه زميله السابق في برشلونة وباريس سان جيرمان لكرة القدم، بينما اختصر رونالدينيو، الذي رافق بداياته مع النادي الكتالوني، إرثه بالقول: “اسمك محفور في تاريخ بلدك والعالم أجمع”.
ليلة أبت أن تنتهي ولم تكن صافرة الحكم نهاية للأمسية، بل بداية فصل أخير من الاحتفال. فقد ظلت الجماهير في مدرجات “المونومينتال”، تردد الأغاني والهتافات، فيما ارتفعت آلاف الهواتف لتوثق اللحظات الأخيرة لميسي بقميص المنتخب.
وفي سماء بوينس آيرس، امتزجت العروض الضوئية بالألعاب النارية وأسراب الطائرات المسيرة، التي رسمت لوحات حملت رسائل من بينها “شكرا أرجنتين” و”شكرا ليو”، في ختام ليلة بدت فيها العاصمة وكأنها تحاول تأجيل لحظة الوداع قدر الإمكان.
وبرحيل ميسي، يدخل المنتخب الأرجنتيني مرحلة جديدة من دون اللاعب الذي ارتبط به طوال عقدين. ولن يكون السؤال فقط كيف سيعوض “الألبيسيليستي” أهدافه وتمريراته وقيادته داخل الملعب، بل كيف سيملأ الفراغ الرمزي الذي يتركه لاعب اختصر حقبة كاملة من تاريخ الكرة الأرجنتينية.
قبل سنوات، بدا للكثيرين أن ظهور لاعب قادر على الاقتراب من إرث دييغو مارادونا أمر بعيد المنال. ثم جاء ميسي وكتب حكايته الخاصة.
أما الآن، وبعد أن أسدل الستار على رحلته الدولية، فتبدأ للأرجنتين حكاية أخرى، ويبقى للتاريخ أن يجيب عن سؤال واحد: من يحمل الشعلة بعده؟






