أخبار الدارسلايدر

الملكية في المغرب.. رابطة تاريخية تتجاوز الحكم وتستمد قوتها من الاستقرار والوفاء

الدار/ مريم حفياني

تتميز العلاقة التي تجمع المغاربة بالمؤسسة الملكية بخصوصية يصعب اختزالها في المفاهيم السياسية التقليدية، أو مقارنتها بالتجارب التي تعرفها دول أخرى. فهي علاقة تشكلت عبر قرون من التاريخ المشترك، وتداخلت فيها الشرعية التاريخية مع الذاكرة الجماعية والروابط الوطنية، لتصبح المؤسسة الملكية أحد المكونات الأساسية للهوية السياسية والاجتماعية للمغرب.

وفي الوقت الذي ينظر فيه البعض إلى هذه العلاقة من زاوية السلطة والحكم فقط، يرى قطاع واسع من المغاربة في الملكية مؤسسة جامعة، ارتبطت في وجدانهم بمعاني الاستمرارية ووحدة البلاد وحماية استقرارها. ولذلك، فإن فهم طبيعة الارتباط بين المغاربة وملكهم يقتضي استحضار خصوصية التجربة المغربية، بعيدا عن إسقاط نماذج سياسية أخرى على واقع مختلف في جذوره وتطوراته.

ولعل أبرز ما يميز هذا الارتباط هو امتداده إلى ما وراء الأشخاص، ليشمل المؤسسة الملكية باعتبارها استمرارا للدولة المغربية ورمزا لوحدتها. فالتشبث بالعرش لدى قطاعات واسعة من المجتمع لا يرتبط فقط بالحاضر، وإنما يستند أيضا إلى تراكم تاريخي يجعل انتقال العرش امتدادا لمسار وطني متواصل، تتوارث الأجيال في ظله الشعور بالانتماء والمسؤولية تجاه الوطن ومؤسساته.

ويحتل الاستقرار مكانة مركزية في هذا التصور. فالمغاربة، وهم يتطلعون إلى مزيد من التنمية والعدالة الاجتماعية وتحسين الخدمات وفرص الشغل، يدركون في الوقت نفسه أهمية الحفاظ على أمن البلاد وتماسكها، في عالم تتزايد فيه الأزمات وتتسع فيه بؤر التوتر. ولا يعني ذلك أن الطموحات الشعبية قد تحققت جميعها، بل إن الرهان يظل قائما على تحويل الاستقرار إلى رافعة لمزيد من الإصلاح والإنجاز، بما يجعل ثمار التنمية أكثر قربا من المواطنين.

ومن هنا، فإن قوة النموذج المغربي لا تقاس فقط بقدرته على صون الاستمرارية، وإنما كذلك بمدى نجاحه في تجديد الثقة، والاستجابة لانتظارات المجتمع، وتحقيق التوازن بين متطلبات الأمن وضرورات التقدم. فالاستقرار الحقيقي لا يكتمل إلا حين يشعر المواطن بأن مؤسسات بلاده قادرة على حماية حاضره وفتح آفاق أفضل أمام مستقبله.

أما اختزال العلاقة بين المغاربة والملك في مجرد علاقة بين حاكم ومحكوم، فيغفل ما راكمته التجربة المغربية من رمزية تاريخية وخصوصية مؤسساتية وارتباط وجداني. كما أن المقارنة مع تجارب بلدان أخرى لا تستقيم ما لم تأخذ بعين الاعتبار اختلاف المسارات التاريخية والاجتماعية والسياسية، وخصوصية العلاقة التي تربط الدولة بالمجتمع في كل بلد.

يظل الرهان المغربي هو الحفاظ على هذا الرصيد من الثقة والاستقرار، وتعزيزه بإصلاحات ملموسة تستجيب لتطلعات المواطنين. فالمحبة والوفاء، مهما كانت مكانتهما في الوجدان الوطني، تزدادان رسوخا حين تقترنان بالإنجاز والإنصاف وتكافؤ الفرص. وبين رمزية المؤسسة الملكية وطموح المجتمع إلى مغرب أكثر ازدهارا، تتحدد معالم معادلة وطنية عنوانها الاستمرارية، وغايتها بناء المستقبل.

زر الذهاب إلى الأعلى