أخبار الدارسلايدر

الملك محمد السادس يضع مدريد أمام معادلة جديدة: لا شراكة تحت الضغط ولا تعاون بالصيغة القديمة

أحمد البوحساني

وجّه الملك محمد السادس رسالة واضحة إلى إسبانيا، واضعاً مستقبل التعاون الثنائي في مجال الهجرة أمام ضرورة مراجعة النموذج المعتمد، ومؤكداً أن الشراكة بين البلدين لا يمكن أن تكون موضوعاً للضغط أو التهديد أو الابتزاز. موقف ملكي حملته كلمة افتتاح الدورة التشريعية، الجمعة 9 أكتوبر 2026، وفتح الباب أمام مرحلة جديدة من النقاش بشأن طبيعة التعاون المغربي الإسباني وحدوده وآفاقه.

ولم يقتصر الخطاب الملكي على التشخيص، بل أعلن عن توجه مغربي نحو بلورة رؤية استراتيجية جديدة للتعاون مع الشركاء، تقوم على التنمية المشتركة والتنافسية الاقتصادية والاستقرار الإقليمي، في إشارة إلى أن تدبير ملف الهجرة لم يعد، وفق التصور المغربي، قابلاً للاستمرار بالآليات نفسها في ظل الأزمات المتكررة.

لا شراكة تحت الضغط.. رسالة مباشرة إلى مدريد :

في واحدة من أبرز فقرات الخطاب، شدد الملك محمد السادس على أن الشراكة مع إسبانيا «اختيار سيادي والتزام إرادي»، مؤكداً أنها لن تكون أبداً موضوعاً لأي ضغط أو تهديد أو ابتزاز.

وجاء هذا الموقف في سياق انتقاد ما وصفه جلالة الملك بالتصريحات غير المسؤولة والاستغلال الواضح لقضية الهجرة من طرف بعض الأوساط السياسية والإعلامية الإسبانية، من دون تسمية الجهات المعنية.

وتحمل هذه الرسالة تأكيداً على أن الرباط تنظر إلى التعاون الثنائي باعتباره التزاماً متبادلاً، يفترض احترام مصالح الطرفين وتقدير مساهمة كل منهما في تدبير الملفات المشتركة، بعيداً عن توظيف القضايا الحساسة في التجاذبات السياسية الداخلية.

كما تعيد هذه الإشارة إلى الواجهة مسألة التوازن في العلاقات بين البلدين، خصوصاً في الملفات الأمنية والهجرة، حيث يرتبط التعاون المغربي الإسباني بتحديات تتجاوز الحدود الثنائية لتشمل أمن المنطقة واستقرارها.

الملك يعلن نهاية صلاحية النموذج الحالي للتعاون في الهجرة:

لم يخف الملك محمد السادس موقفه من الآليات المعتمدة حالياً في تدبير ملف الهجرة، إذ اعتبر أن نموذج التعاون القائم أصبح متجاوزاً، مستنداً في ذلك إلى الأزمات المتكررة التي شهدها هذا الملف.

وفي الوقت الذي أقر فيه الخطاب بتحقيق التعاون المغربي الإسباني تقدماً مهماً في عدد من المجالات، بما فيها مكافحة الهجرة غير النظامية، أكد أن هذا المسار يواجه تحديات تستدعي مراجعة أسسه وآليات اشتغاله.

وتكمن أهمية هذا الموقف في أنه لا يعلن القطيعة مع التعاون القائم، بقدر ما يطرح الحاجة إلى إعادة النظر في صيغته الحالية، بما يسمح بمعالجة الاختلالات التي كشفت عنها الأزمات المتعاقبة.

ويضع هذا التوجه البلدين أمام نقاش يتجاوز التدبير الأمني والحدودي للهجرة، نحو البحث عن مقاربة أكثر شمولاً تأخذ بعين الاعتبار الجوانب القانونية والإنسانية والتنموية، إلى جانب مسؤوليات كل طرف في تدبير هذا الملف.

القاصرون وطالبو اللجوء.. خلاف قانوني في قلب الأزمة :

ومن بين النقاط التي توقف عندها الخطاب الملكي، الصعوبات المرتبطة بإعادة القاصرين وبعض الأشخاص الذين وصفهم بأنهم ينتحلون صفة اللجوء، مشيراً إلى أن مقتضيات قانونية متجاوزة وقرارات قضائية بعيدة عن الواقع تعرقل عمليات الترحيل، وتتيح، بحسب الخطاب، هامشاً تستفيد منه شبكات الإجرام.

و يكشف هذا الموقف عن أحد أبرز أوجه التباين في تدبير الهجرة بين الرباط ومدريد، خاصة عندما يتعلق الأمر بالتوفيق بين متطلبات التعاون الأمني والحدودي، والضمانات القانونية والقضائية المرتبطة بحقوق القاصرين وطلبات الحماية واللجوء. وفي هذا السياق، يطرح الموقف المغربي تساؤلات بشأن مدى قدرة الآليات الحالية على ضمان تعاون فعال ومستمر، في ظل اختلاف المقاربات القانونية وتعدد الجهات المتدخلة في اتخاذ القرارات المتعلقة بالهجرة.

غير أن معالجة هذه الإشكالات تظل مرتبطة أيضاً بضرورة احترام القوانين والضمانات القضائية ذات الصلة، بما يضمن التوفيق بين تدبير الحدود وحماية الحقوق الأساسية للأشخاص المعنيين.

وثيقة استراتيجية جديدة.. ماذا تريد الرباط من شركائها؟

في مقابل انتقاد النموذج الحالي، أعلن الملك محمد السادس أن المغرب سيقدم لشركائه وثيقة تتضمن رؤية استراتيجية واضحة وعملية، تؤسس لتوجه جديد يهدف إلى تعزيز التنمية المشتركة والتنافسية الاقتصادية والاستقرار الإقليمي.

ويمنح هذا الإعلان، الخطاب بعداً يتجاوز الرسائل السياسية المرتبطة بالهجرة، نحو إعادة التفكير في طبيعة الشراكات التي تربط المغرب بمحيطه، وفي مقدمتها علاقته بإسبانيا.

وتتمثل أهمية المبادرة المرتقبة في أنها تفتح المجال أمام مقاربة تربط التعاون الأمني والحدودي بأبعاد اقتصادية وتنموية أوسع، بدل حصر العلاقة في تدبير الأزمات والاستجابة لتداعياتها.

لكن تفاصيل هذه الرؤية، وآليات تنفيذها، ومدى تجاوب الشركاء معها، ستظل عناصر أساسية لتحديد طبيعة التحول الذي تسعى الرباط إلى إحداثه في علاقاتها الثنائية.

زر الذهاب إلى الأعلى