احمد البوحساني
أكدت نادية بوزندوفة، في رأيها لقناة الدار المغربية، أن الدعوة إلى تشكيل حكومة سياسية تكتسي أهمية خاصة في ضوء التوجيهات التي حملها الخطاب الملكي بمناسبة افتتاح السنة التشريعية، معتبرة أن المرحلة المقبلة تقتضي الانتقال من تحديد التوجهات الاستراتيجية إلى تحقيق نتائج ملموسة تنعكس على الحياة اليومية للمواطنين.
وأبرزت النائبة البرلمانية السابقة، أن مفهوم الحكومة السياسية لا يرتبط فقط بطبيعة تشكيلتها، بل بقدرتها على تحديد الأولويات واتخاذ القرارات وتحمل المسؤولية عن الحصيلة، خاصة في ظل التحديات المرتبطة بالعدالة المجالية والأمن المائي والطاقي والغذائي، وتوسيع فرص الشغل أمام الشباب.
وفي هذا السياق، شددت على أن الرهان الأساسي يتمثل في قدرة الحكومة المقبلة على بلورة مشروع مشترك بين مكوناتها، وتحقيق الانسجام في تدبير الاختلافات، بما يضمن التنزيل الفعلي للأولويات الوطنية والاستجابة للانتظارات الاجتماعية.
وفي ما يلي النص الكامل لرأي نادية بوزندوفة لقناة الدار:
تكتسي الدعوة إلى تشكيل حكومة سياسية أهمية خاصة إذا قرأناها في ضوء الخطاب الملكي بمناسبة افتتاح السنة التشريعية. إذ لا يتعلق الأمر بتوجيهين منفصلين، بل برؤية متكاملة للمرحلة المقبلة، تضع أمام الحكومة مسؤولية واضحة: أن تحول التوجهات الاستراتيجية للدولة إلى قرارات وبرامج يجد المواطن أثرها في حياته اليومية.
لقد جاء الخطاب الملكي، بمناسبة افتتاح الدورة الخريفية من السنة التشريعية الأولى للولاية التشريعية الثانية عشرة، حاملا رهانات وطنية كبرى، ومؤكدا الحاجة إلى إحداث منعطف حقيقي في مسار التنمية. وهي دعوة تضعنا أمام سؤال لا يمكن تجاوزه: هل تكفي المقاربات المعتمدة وأساليب التدبير المعتادة لمواجهة تحديات المرحلة، أم أن الأمر يقتضي نفسا سياسيا جديدا في قيادة العمل الحكومي؟٢
هنا بالضبط يجد مفهوم الحكومة السياسية معناه الحقيقي. فالحكومة ليست مجرد مجموعة من الوزراء يشرف كل واحد منهم على قطاع معين، ولا ينبغي أن ينحصر دورها في تدبير الملفات وفق ما تتيحه الإمكانات الإدارية والتقنية. إنها، قبل ذلك، قيادة سياسية مطالبة بأن تكون لها رؤية واضحة، وأن تحدد أولوياتها، وتتخذ القرارات التي تفرضها تلك الأولويات، وتتحمل مسؤولية نتائجها.
فعندما يضع الخطاب الملكي العدالة المجالية في صلب الرهانات التنموية، يصبح من مسؤولية الحكومة أن تحدد كيف ستقلص الفوارق بين المناطق، وأين ستوجه الاستثمارات، وكيف ستضمن استفادة المجالات الأقل حظا من فرص التنمية. وحين يتعلق الأمر بالأمن المائي والطاقي والغذائي، أو بتوفير آفاق أوسع للشباب، فإن المطلوب لا يقتصر على إعداد برامج قطاعية، بل يستدعي اختيارات سياسية واضحة وتنسيقا حقيقيا بين مختلف المتدخلين.
ولعل ما يميز هذه القضايا أنها تضع الحكومة أمام قرارات ليست دائما سهلة. فالإمكانات المالية محدودة، والانتظارات الاجتماعية كبيرة، والحاجيات متعددة. لذلك، فإن ترتيب الأولويات وتوزيع الموارد والموازنة بين الضرورات الاقتصادية والاجتماعية لا يمكن أن يكون مجرد تمرين تقني. إنه في جوهره فعل سياسي، يستوجب وضوح الاختيار والشجاعة في القرار والاستعداد لتحمل المسؤولية.
ولا يعني الحديث عن حكومة سياسية التقليل من أهمية الكفاءات والخبرات التقنية، بل على العكس، فلا غنى عنها لإنجاح أي مشروع حكومي. غير أن الكفاءة وحدها لا تحدد الوجهة؛ إنها تساعد على بلوغها. أما تحديد الوجهة، واختيار ما ينبغي تقديمه أو تأخيره، والدفاع عن القرارات المتخذة، فتلك مسؤولية سياسية بالأساس.
ومن هذا المنطلق، لا يقاس الوفاء للتوجيهات الملكية بكثرة استحضارها في التصريحات والخطابات، وإنما بمدى النجاعة في تنزيلها. فالمواطن لا ينتظر أن يسمع التوجيه نفسه في كل مناسبة، بل ينتظر أن يعرف ماذا ستفعل الحكومة، ومتى، وبأي وسائل، وما الذي تغير بالفعل. كما أن من حقه أن يجد تفسيرا واضحا حين تتعثر بعض البرامج أو تتأخر نتائجها.
وهنا تحضر مسؤولية الأحزاب المكونة للأغلبية الحكومية. إذ المشاركة في الحكومة يتجاوز تولي الحقائب الوزارية، للالتزام بمشروع مشترك وتحمل المسؤولية السياسية عن تنفيذه. حيث يستدعي الانسجام الحكومي القدرة على تدبير الاختلافات بين الأحزاب و التي في جوهرها طبيعية و صحية في الحياة الديمقراطية. لكن ما لا ينبغي أن يختلف حوله أعضاء الحكومة هو الالتزام بالقرارات المشتركة والعمل على إنجاحها.
إن ما يستحق الاهتمام في تشكيل الحكومة المقبلة هو طبيعة المشروع الذي سيجمع الأحزاب المشكلة لها وقدرتها على العمل بروح الفريق، وعلى اتخاذ القرارات التي تحتاجها البلاد. والأهم من ذلك أن تكون قادرة على تحويل الأولويات الوطنية إلى واقع يلمسه المغاربة في مدارس أبنائهم، وفي المستشفيات، وفي فرص الشغل، وفي الخدمات التي يحتاجون إليها، وفي تنمية مناطقهم.
لهذا، فإنني أرى في الربط بين الخطاب الملكي والحكومة السياسية معنى يتجاوز شكل الحكومة إلى جوهر مسؤوليتها. فالتوجيه الملكي يحدد التوجهات الكبرى، لكن الحكومة هي التي تتحمل، في نطاق اختصاصاتها الدستورية، مسؤولية اختيار الوسائل وتنفيذ السياسات وتدبير الصعوبات، وهي التي تساءل عن حصيلتها.
وفي نهاية المطاف، فبين ما يرسمه الخطاب الملكي من آفاق وما ينتظره المواطن من تغيير، توجد مسؤولية الحكومة السياسية. ومسؤولية كهذه لا يكفي أن تعلن، بل ينبغي أن تمارس، وأن تظهر نتائجها على أرض الواقع.
