سبتة مغربية مهما رفعت مدريد أعلامها.. زيارة فيليبي السادس لا تغيّر حقائق التاريخ والجغرافيا

الدار/ إيمان العلوي
أثارت زيارة العاهل الإسباني فيليبي السادس، رفقة الملكة ليتيزيا، إلى سبتة المحتلة تساؤلات بشأن الرسائل التي تسعى المؤسسة الملكية الإسبانية إلى تمريرها، في وقت لا تزال فيه قضية المدينتين حاضرة بقوة في الذاكرة الوطنية المغربية، باعتبارها جزءاً من ملف استكمال الوحدة الترابية للمملكة.
وبقدر ما تحاول مدريد تقديم هذه الزيارة باعتبارها تأكيداً لحضور مؤسساتها في المدينتين، فإن أبعادها تتجاوز حدود المراسم الرسمية والاستقبالات البروتوكولية، لتلامس قضية تاريخية لم ينجح مرور الزمن في إبعادها عن العلاقات المغربية الإسبانية. فالحضور السياسي والإداري القائم لا يشكل، في حد ذاته، جواباً عن الأسئلة التي يثيرها الإرث الاستعماري، كما أن تكرار الزيارات الرسمية لا يمنح الوضع القائم حصانة من النقاش التاريخي والسياسي.
وتبدو المفارقة واضحة حين تسعى دولة أوروبية تربطها بالمغرب شراكة استراتيجية واسعة إلى تأكيد حضورها في مدينتين تقعان جغرافياً على الساحل الشمالي للمملكة، بينما تفرض طبيعة العلاقات بين البلدين ضرورة التعامل مع الملفات الخلافية بمنطق الحوار والواقعية، بعيداً عن الرسائل التي قد تُفهم باعتبارها محاولة لفرض الأمر الواقع أو تحويله إلى حقيقة نهائية غير قابلة للنقاش.
ولا يمكن استبعاد البعد السياسي الداخلي من قراءة مثل هذه التحركات، خصوصاً في ظل حساسية قضايا الهوية ووحدة الأراضي والهجرة والأمن الحدودي داخل إسبانيا. فالزيارات الملكية إلى المناطق التي تحظى برمزية سياسية خاصة قد تتحول إلى رسائل موجهة للرأي العام، وإلى مناسبة لإظهار التماسك المؤسساتي، غير أن توظيف الرمزية الملكية لا يكفي لمعالجة جذور الخلافات التاريخية أو تقديم إجابات مقنعة عن مستقبل العلاقات مع الجار المغربي.
إن الرهان على الصور الرسمية ومظاهر الاحتفاء قد يحقق حضوراً إعلامياً مؤقتاً، لكنه لا يغير الحقائق الجغرافية ولا يلغي الذاكرة التاريخية للشعوب. فسبتة ومليلية ليستا مجرد نقطتين على الخريطة، بل فضاءان يرتبطان بالمغرب بامتدادات جغرافية واجتماعية وثقافية عميقة، وهو ما يجعل الحديث عن مستقبلهما مرتبطاً بنقاش أوسع حول الإرث التاريخي الذي خلفته السيطرة الإسبانية على أجزاء من شمال المملكة.
ويبرز البعد الإنساني والاجتماعي للمدينتين بدوره أهمية تجاوز الخطابات التي تختزل هويتهما في الشعارات السياسية. فوجود مواطنين من أصول مغربية، واستمرار الروابط العائلية والثقافية والاقتصادية مع الضفة المغربية، يعكسان واقعاً اجتماعياً لا يمكن فصله عن المحيط الجغرافي الذي تنتمي إليه المدينتان. ولا يعني ذلك اختزال مواقف السكان في أصلهم أو لباسهم أو انتماءاتهم الدينية، وإنما التأكيد على أن الروابط التاريخية والاجتماعية أكثر تعقيداً من أن تمحوها المظاهر البروتوكولية أو الحملات السياسية.
وتعيد هذه الزيارة إلى الأذهان التحرك الذي قام به الملك الإسباني السابق خوان كارلوس سنة 2007، والذي أثار اعتراضاً مغربياً بسبب دلالاته المرتبطة بتكريس الحضور الإسباني في سبتة ومليلية. ويؤكد تكرار مثل هذه المبادرات أن القضية لم تفقد حساسيتها، وأن محاولات التعامل معها باعتبارها ملفاً منتهياً لا تعكس بالضرورة استمرار حضورها في الوعي الوطني المغربي.
وبالنسبة إلى المغرب، فإن الدفاع عن مغربية سبتة ومليلية لا يحتاج إلى المبالغة في الخطاب أو الانجرار وراء ردود الفعل العابرة، بقدر ما يستند إلى وضوح الموقف الوطني، والتمسك بالذاكرة التاريخية، ومواصلة العمل الدبلوماسي والسياسي بما يخدم المصالح العليا للمملكة. فالقضايا الترابية الكبرى تتطلب النفس الطويل، وتراكم الحجج، والقدرة على تحويل المواقف المبدئية إلى مسار سياسي متماسك.
وفي هذا السياق، تظل العلاقات المغربية الإسبانية محكومة بمعادلة دقيقة تجمع بين التعاون الاستراتيجي في مجالات الأمن والاقتصاد والتجارة والهجرة، وبين استمرار ملفات تاريخية تحتاج إلى معالجة مسؤولة. ولا ينبغي أن تتحول الشراكة بين البلدين إلى ذريعة لتجاهل المطالب المغربية، كما لا يمكن أن يكون الحفاظ على المصالح المشتركة مبرراً لإغلاق باب النقاش حول القضايا العالقة.
وتدرك مدريد، بحكم موقعها الجغرافي ومصالحها الاقتصادية والأمنية، أن استقرار علاقاتها مع الرباط يظل خياراً استراتيجياً لا غنى عنه. ولذلك، فإن الحكمة السياسية تقتضي الابتعاد عن كل ما من شأنه تأجيج الخلافات أو توظيفها في حسابات داخلية ظرفية، والعمل بدلاً من ذلك على بناء علاقة تقوم على الاحترام المتبادل، والاعتراف بحساسية الملفات الوطنية لدى الطرفين، والبحث عن مقاربات واقعية للتحديات المشتركة.
أما الزيارات الملكية، مهما بلغت رمزيتها، فإنها تظل أحداثاً عابرة في مسار العلاقات الدولية، ولا يمكنها وحدها أن تحسم قضايا تتجاوز حدود البروتوكول إلى عمق التاريخ والجغرافيا والذاكرة الجماعية. فرفع الأعلام وتنظيم الاستقبالات وتكثيف الحضور الرسمي قد يعكس موقف الدولة التي تنظّم هذه المبادرات، لكنه لا يلغي وجود خلاف تاريخي ولا يعفي من ضرورة التفكير في سبل معالجته.
إن قوة الموقف المغربي تكمن في وضوح ثوابته، وفي قدرته على الدفاع عنها بوسائل سياسية ودبلوماسية مسؤولة، بعيداً عن الانفعال أو المزايدات التي لا تخدم جوهر القضية. كما أن مستقبل الشراكة بين المغرب وإسبانيا سيظل رهيناً بمدى قدرة الطرفين على تدبير خلافاتهما بشجاعة وواقعية، بدل الاكتفاء بإعادة إنتاج مشاهد رمزية لا تقدم حلولاً للمشكلات القائمة.
وفي نهاية المطاف، قد تنتهي زيارة فيليبي السادس، وتطوى صفحات التغطية الإعلامية المصاحبة لها، لكن قضية سبتة ومليلية ستظل حاضرة في النقاش المغربي بشأن استكمال الوحدة الترابية. فالتاريخ لا يُختزل في المراسم، والجغرافيا لا تتغير بالخطابات، والقضايا الوطنية لا تفقد مكانتها لمجرد أن طرفاً يسعى إلى تقديم الوضع القائم باعتباره أمراً نهائياً.
وبين الاستعراض الملكي الإسباني والثوابت الوطنية المغربية، يبقى الرهان الحقيقي هو قدرة المغرب على مواصلة الدفاع عن مصالحه وحقوقه التاريخية بحكمة وثبات، مع الحفاظ على شراكة متوازنة مع إسبانيا، شراكة لا تقوم على تجاهل الخلافات، بل على مواجهتها بالحوار والاحترام المتبادل والمسؤولية السياسية.





