الدار | افتتاحية
لم تكن زيارة العاهل الإسباني فيليبي السادس إلى سبتة ومليلية المحتلتين مجرد محطة بروتوكولية لتأكيد حضور المؤسسة الملكية الإسبانية في المدينتين، بل حملت رسائل سياسية وسيادية ثقيلة، تضع العلاقات المغربية الإسبانية أمام اختبار جديد، وتفتح الباب أمام تساؤلات عميقة بشأن حدود المناورة التي تستطيع مدريد القيام بها في ملف يمس جوهر الخلاف التاريخي حول السيادة على الثغرين المحتلين.
ففي أول زيارة له إلى المدينتين منذ اعتلائه العرش سنة 2014، اختار فيليبي السادس أن يعلن، من قلب سبتة، أن المدينتين جزء لا رجعة فيه من الواقع السياسي والوطني لإسبانيا، وأن واجب بلاده يقتضي الدفاع عنهما أمام أي تهديد محتمل. تصريح لا يمكن عزله عن حساسية القضية بالنسبة إلى المغرب، ولا عن سياق إقليمي تتطلع فيه الرباط ومدريد إلى تطوير شراكتهما، في وقت لا يزال فيه ملف سبتة ومليلية يمثل إحدى أبرز نقاط الخلاف التاريخي والسياسي بين البلدين.
بهذه الخطوة، يبدو العاهل الإسباني وكأنه يمشي فوق حقل ألغام سياسي، لأن الرسائل التي أرادت مدريد توجيهها إلى الداخل الإسباني قد تُقرأ في المغرب باعتبارها محاولة لتكريس الأمر الواقع وإغلاق الباب أمام أي نقاش مستقبلي بشأن المدينتين. فالتأكيد على أن الوضع غير قابل للمراجعة قد يرضي بعض الحسابات السياسية الداخلية الإسبانية، لكنه لا يلغي حقيقة أن المغرب ينظر إلى سبتة ومليلية باعتبارهما جزءاً من ملف تاريخي لم يُحسم من وجهة نظره، وأن السيادة ليست مسألة يمكن طيها بمجرد إعلان أحادي الجانب.
والأكثر دلالة في هذا السياق ليس فقط مضمون التصريحات الإسبانية، بل أيضاً طبيعة الرد المغربي الذي لا ينبغي قياسه بمنطق رد الفعل الفوري أو بارتفاع نبرة الخطاب الدبلوماسي. فالهدوء الذي تنتهجه الرباط لا يعني بالضرورة القبول بالأمر الواقع، كما أن غياب التصعيد العلني لا يمكن تفسيره باعتباره تنازلاً عن الحقوق أو تراجعاً عن الموقف الوطني. ففي العلاقات الدولية، قد يكون الصمت أحياناً اختياراً استراتيجياً محسوباً، يتيح للدولة الاحتفاظ بهامش المناورة، وتقييم الرسائل الصادرة عن الطرف الآخر، وتحديد التوقيت والأدوات المناسبة للدفاع عن مصالحها.
ومن هذا المنطلق، فإن صمت الرباط يمكن قراءته باعتباره هدوءاً استراتيجياً لا ينبغي الخلط بينه وبين الاستسلام السياسي. فالدول التي تدير ملفات السيادة بعقلية طويلة المدى لا تجعل مواقفها رهينة كل تصريح أو زيارة، ولا تمنح الطرف الآخر بالضرورة رد الفعل الذي قد ينتظره. وقد يكون تجنب التصعيد في لحظة معينة وسيلة للحفاظ على التوازنات القائمة، دون أن يعني ذلك إسقاط المطالب التاريخية أو التخلي عن حق إثارة الملف في المحافل والاتصالات الدبلوماسية المناسبة.
إن تشبيه هذا الهدوء بـ«السكون الذي يسبق العاصفة» يحمل دلالة سياسية واضحة، شريطة فهمه باعتباره احتمالاً تحليلياً لا إعلاناً عن قرار مغربي بالتصعيد. فالمملكة تملك خيارات دبلوماسية وسياسية متعددة، ويمكنها أن تختار توقيت تحركاتها وفقاً لمصالحها الاستراتيجية، بعيداً عن ضغط الاستفزازات الرمزية أو محاولات فرض الوقائع. ومن الخطأ، بالتالي، أن تفترض مدريد أن عدم صدور رد حاد وفوري من الرباط يعني أن الزيارة مرت دون تبعات سياسية أو أن الموقف المغربي فقد زخمه.
وتكمن المفارقة في أن إسبانيا تسعى إلى الحفاظ على علاقات متقدمة مع المغرب، الذي يشكل شريكاً أساسياً لها في مجالات الأمن والهجرة والتجارة والاستثمار والتعاون الإقليمي، لكنها في الوقت نفسه تتمسك بخطاب يستبعد مسبقاً أي نقاش حول أحد الملفات التاريخية الأكثر حساسية لدى جارتها الجنوبية. وهذه المعادلة تطرح سؤالاً جوهرياً على صناع القرار في مدريد: هل يمكن بناء شراكة استراتيجية مستدامة إذا ظل أحد الطرفين يتعامل مع انشغالات الطرف الآخر باعتبارها غير قابلة حتى للنقاش؟
لا يتعلق الأمر هنا بالدعوة إلى القطيعة أو تحويل الخلاف حول سبتة ومليلية إلى مواجهة مفتوحة، بل بالتأكيد على أن الشراكة الحقيقية لا تُبنى على تجاهل الملفات العالقة، ولا على افتراض أن المصالح الاقتصادية والأمنية كافية لإبعاد قضايا السيادة عن طاولة النقاش إلى الأبد. فالمغرب، بحكم موقعه الجغرافي ووزنه الإقليمي، ليس طرفاً هامشياً في معادلة غرب المتوسط، كما أن استقرار المنطقة يظل مرتبطاً بوجود علاقات متوازنة تحترم مصالح الدول وحساسياتها التاريخية.
وتكشف زيارة فيليبي السادس أيضاً عن استمرار الفجوة بين الروايتين المغربية والإسبانية. فمدريد تتمسك باعتبار المدينتين جزءاً من ترابها الوطني، بينما يواصل المغرب إثارة مسألة استكمال تصفية الإرث الاستعماري في شمال المملكة. ولا يؤدي تكرار المواقف الإسبانية إلى إنهاء هذا التباين، مثلما لا يعني استمرار الموقف المغربي أن الملف سيُحسم بالضرورة في اتجاه معين أو ضمن جدول زمني محدد. لكن المؤكد أن فرض رواية واحدة باعتبارها نهائية لا يشكل، في حد ذاته، حلاً لخلاف تاريخي وسياسي معقد.
وفي المقابل، فإن الرهان المغربي لا ينبغي أن يكون على الانفعال بقدر ما ينبغي أن يقوم على النفس الطويل، وتعزيز أدوات القوة الدبلوماسية والاقتصادية، وتوسيع الشراكات الدولية، والحفاظ على تماسك الموقف الوطني. فالقضايا المرتبطة بالسيادة تحتاج إلى إدارة متأنية تجمع بين وضوح المبادئ ومرونة الوسائل، وبين الدفاع عن الحقوق الوطنية وتجنب خطوات قد تضر بمصالح استراتيجية أوسع.
لقد وضعت زيارة العاهل الإسباني إلى سبتة ومليلية مدريد أمام مفارقة يصعب تجاهلها: الرغبة في تعميق الشراكة مع المغرب من جهة، وتوجيه رسائل سيادية حادة من أراضٍ يعتبرها المغرب محتلة من جهة أخرى. وهي مفارقة قد لا تُترجم فوراً إلى أزمة دبلوماسية، لكنها تظل حاضرة في حسابات العلاقات الثنائية، خصوصاً إذا استمرت التصريحات والخطوات الرمزية في تجاهل حساسية الملف بالنسبة إلى الرباط.
فالخطأ الذي قد تقع فيه مدريد هو أن تقرأ الهدوء المغربي باعتباره عجزاً عن الرد، أو أن تعتبر الصمت الدبلوماسي قبولاً ضمنياً بالوضع القائم. فالرباط ليست مطالبة بكشف جميع أوراقها عند كل منعطف، ولا بتقديم ردود متسرعة لإثبات تمسكها بمواقفها. وقد يكون ضبط النفس، في بعض اللحظات، تعبيراً عن استراتيجية أوسع تقوم على اختيار التوقيت المناسب، والحفاظ على المبادرة، وعدم السماح للطرف الآخر بتحديد إيقاع التحرك المغربي.
لم تُنهِ زيارة فيليبي السادس إلى سبتة ومليلية الخلاف التاريخي حول المدينتين، ولم تجعل التصريحات الإسبانية الموقف المغربي أقل حضوراً. بل أعادت التذكير بأن وراء مظاهر التقارب الثنائي ملفات عالقة تحتاج إلى معالجة سياسية مسؤولة. وبينما اختارت مدريد تأكيد روايتها السيادية بصوت مرتفع، يظل من المهم ألا يُساء فهم الهدوء المغربي: فهو ليس دليلاً على التخلي عن المطالب، ولا تفويضاً باستمرار الوضع القائم، بل مساحة للتقدير والحساب وإدارة المصالح بمنطق استراتيجي طويل النفس.
وفي قضايا السيادة، ليست كل معركة صاخبة، وليست كل لحظة صمت تراجعاً؛ أحياناً تكون الحكمة في عدم كشف الأوراق، وترك الوقائع والتوازنات تحدد متى وكيف يكون الرد.
