Site icon موقع الدار

زيارة فليبي السادس الى سبتة المحتلة ولعنة التاريخ ،كيف صمد المغرب أمام كل الإستفزازات؟

الدار/

لا تقرأ زيارة فيليبي السادس إلى سبتة المحتلة في السياق السياسي والإعلامي المشحون بعبارات الاستفزاز بإعتبارها مجرد مناسبة معزولة عن غليان الشارع الإسباني. فالمدينة الواقعة تحت الإدارة الإسبانية والتي يطالب المغرب باستعادة السيادة عليها، تمثل نقطة تقاطع بين مفهوم الشرعية الوطنية الإسبانية المفقودة لسنوات خلت، والتنافس الحزبي وإدارة الهجرة غير النظامية، وحساسية العلاقة بين مدريد و الرباط التي يحاول فيها الطرفان الإبقاء على شعرة معاوية على إعتبار أن المصالح المشترك أكبر من كل محاولات التشويش الخارجي. فحضور الملك الإسباني الى المدينة المحتلة يتجاوز مجرد محاولة تأكيد موقع الدولة في حدود شبه الجزيرة الإيبيرية إلى فضاء إفريقي تظل فيه الجغرافيا والتاريخ والسياسة موضوع نزاع مستمر.

إن أي قراءة دقيقة تبدأ بالفصل أولا بين الوقائع المختلفة التي إجتهد الاعلام الإسباني وبعض الأوروبي دون أن ننسى إعلام عسكر الجزائر تغليفها في طابع الإنتصار مقدما معطيات لا تكفي وحدها للتحقق من خبايا خبر زيارة فليبي السادس وزوجته لمقبرة سيدي مبارك و إدعاء الترحم على مهاجرين مغاربة والذي لا يعدوا إلا إرضاء لوضع من أبرز معالمه المنافسة غير المسبوقة بين الحزب الاشتراكي والحزب الشعبي وصعود حزب فوكس والذي عكسته التوترات السياسية المحيطة باحتفال إسبانيا بعيدها الوطني.
و على مستوى الدلالة الإعلامية العامة يؤدي الحضور الملكي في سبتة وظيفة تأكيد مفهوم الإستمرارية، خاصة أن الأجواء الإحتفالية لا تعكس المشاكل التي يعيشها سكان سبتة في حياتهم اليومية حسب الاعلام الإسباني نفسه. فالمؤسسة الملكية الإسبانية سعت من خلال هذه الزيارة إلى الظهور بوصفها رمز لديمومة الدولة ووحدتها، فالحشود التي أيدت الملك هي ذاتها التي على صراخها إحتجاجا ضد ممثلي الحكومة. وفي مدينة ذات حساسية سيادية تصبح الزيارة رسالة إلى السكان بأنهم ليسوا هامش منسي، ورسالة إلى الخارج بأن مدريد لا تتعامل مع وضع سبتة بوصفه ملف مفتوح للمساومة وهي التي تناست ملفها السيادي الأول المتعلق بوضع جبل طارق. غير أن هذه الرسالة ومهمى ثم تلميعها إعلاميا فإنها لاتعني وجود مواجهة محتملة مع المغرب وبأنها باتت وشيكة كما حاول إعلام خصوم المملكة ترويجها بإدعاء وجود وحداث وقطع عسكرية بحرية ثابعة للبحرية الملكية المغربية على مرمى من مدينة سبتة المحتلة. فالقراءة الإستبصارية الدقيقة تجعل المقصود من هذه الزيارة هو نوع من تثبيت الموقف الإسباني مع الحفاظ على قنوات التعاون ودون المساس بها.

المغرب الذي ضل الى حدود ساعة كتابة هذا المقال مستعصيا عن كل محاولات الإستفزاز التي سوقها الإعلام يرى أن الزيارة مجرد محاولة من ملك لا يمتلك حق إستصدار أي قرار سيادي هدفه زيادة وزن إضافي رمزي و إستقطاب داخلي لتوحيد الشارع الإسباني بما فيه الكتلاني عن مفهوم سيادة الدولة الأمة . بالمقابل نجد حكومة سانشيز التي تواجه معارضة تجعل من قضايا الوحدة الوطنية والهجرة والأمن أدوات لمساءلتها. وبين الحزب الاشتراكي والحزب الشعبي الذي لا يهمه التنافس على إدارة الإقتصاد والخدمات فقط، بل على من يمتلك القدرة على حماية المصالح الإسبانية. أما حزب فوكس فيسعى إلى دفع النقاش نحو مقاربة أشد تشددا تجاه الحدود والهجرة والمغرب، مستفيدا من أي شعور بالقلق أو ضعف الثقة في المؤسسات. وإذا كانت إستطلاعات الرأي تشير إلى صعود فوكس أو تقدم الحزب الشعبي فإن الدلالة السياسية لا تختزل في ترتيب الأحزاب، لأن الأهم هو إحتمال إنتقال مركز الثقل في النقاش العام نحو قضايا الهوية والسيادة والأمن. وهذا التحول يضغط على بيدرو سانشيز لأنه مطالب بالدفاع عن التعاون مع الرباط، وفي الوقت نفسه بتجنب صورة الحكومة التي تقدم تنازلات. لكنه يضغط أيضا على الحزب الشعبي الذي قد يجد نفسه بين ضرورة الظهور كبديل قادر على الحكم وإغراء مجاراة خطاب فوكس لإستعادة ناخبين يمينيين.

من هذا التحليل المتواضع تصبح صيحات الإستهجان ضد سانشيز خلال العرض العسكري بمناسبة عيد إسبانيا الوطني الذي يصادف يوم 12 أكتوبر من كل سنة والذي ثم إقراره كعيد رسمي بموجب القانون الصادر في 7 أكتوبر 1987. هذا العيد الذي يرتبط بذكرى وصول كريستوفر كولومبوس إلى القارة الأمريكية سنة 1492. والذي يعبر فيه الإسبان في هذا اليوم عن إعتزازهم بتاريخ بلادهم وثقافتهم وهويتهم الوطنية، أقول دافع نحو تحديد اليوم الموالي لهذا العيد لزيارة فليبي السادس الى التغر المغربي المحتل لأنقاد حكومة بلاده من غضب الشارع الإسباني. وهنا تظهر قابلية المناسبات الوطنية للتحول إلى ساحات صراع حزبي لتعزيز الوحدة الذي أظهر المواطن الإسباني هشاشتها من خلال المظاهرات التي عرفتها العاصمة مدريد واقليم كاتالانيا وغيرهما.
ليبقى التباين بين التأييد الشعبي للملك الإسباني والإحتجاج على ممثلي حكومة سانشيز ، ذلك المقاس الذي يعكس التمييز بين الدولة والسلطة التنفيذية. فقد عبر المشاركون عن ولائهم للمؤسسة الملكية وفي الوقت نفسه عن رفضهم لسياسات سانشيز. فالمبالغة في إستثمار هذا التباين إعلاميا تحمل خطر الزج بالملكية الإسبانية في الإستقطاب والإسطفاف فيفقدها قوتها الرمزية التي تفرض عليها تقديم نفسها باعتبارها فوق المنافسة الحزبية لا طرفا ضمنها.

وتبقى الهجرة الملف الذي يمنح هذه الرموز السياسية ثقلها اليومي. فالأجواء الإحتفالية في سبتة المحتلة لا تلغي مشكلات السكن والعمل والخدمات والإقصاء، ولا الصعوبات المرتبطة بإستقبال المهاجرين وحماية القاصرين ومراقبة الحدود. وإذا أرادت الدولة أن تجعل حضورها في سبتة مقنع، فإن الزيارة الرمزية تحتاج إلى ترجمة إجتماعية وإقتصادية لأن السيادة لا تقاس فقط برفع الأعلام والهتافات، بل بقدرة المؤسسات على توفير الأمن والحقوق والخدمات لجميع السكان. كما أن الترحم على مهاجرين مغاربة في مقبرة سيدي أمبارك ، فلا يجب النظر إليه من جانب إنساني فقط بل يمكن قراءته بوصفه محاولة للإعتراف بضحايا الهجرة وإبراز التعايش الذي تحاول مدريد تسويقه للإتحاد الأوروبي. لكنه لن يكون أبدا مؤشرا إلى تغيير في الموقف الإسباني من سياستها تجاه أمن الحدود والتدفقات والذي يفرض تعاونا جديا من طرفها. فالإيماءة الإنسانية تستطيع تخفيف حدة الرسائل السياسية، لكنها لن تلغي مسؤولية الإدارة الإسبانية عن ما وقع من مأساة إثر الهجرة الجماعية.
ونرى أن المسار الأرجح بعد هذه الزيارة التي لن تسلم من لعنة التاريخ والجغرافية هو إستمرار الجمع بين التشدد الرمزي والتعاون العملي خاصة المحاولات المتكررة لتأكيد إسبانيا على وضع سبتة ومليلية المحتلتين، مقابل الحفاظ على العلاقات الأمنية والإقتصادية مع المغرب. لكن هذا التوازن يصبح أكثر هشاشة إذا تصاعد التنافس الإنتخابي، أو وقع حادث تصادم بحري أو شهدت الحدود موجة هجرة كبيرة. عندها قد تضيق مساحة المناورة أمام الحكومة الإسبانية ويتحول ملف تديره الدبلوماسية بهدوء إلى إختبار علني للصلابة الوطنية.

ختاما، إن هذه الزيارة لا تكمن في كونها إعلان عن تحول إستراتيجي محسوم، بل في قدرتها على جمع رسائل مختلفة في مشهد واحد طمأنة لسكان التغر المحتل وتأكيد لسيادة منشودة وفق التصور الإسباني، وإظهار إستمرارية الدولة وإدارة الضغط الحزبي. أما الإختبار الحقيقي فيأتي بعد إنتهاء الإحتفال وهو هل تترجم الرمزية إلى معالجة لمشكلات المدينة، وهل تنجح مدريد والرباط في منع الخلاف السيادي من إبتلاع التعاون الضروري؟ هنا تتحدد معالم هذه الزيارة الرمزية و فقط في كثافة الأعلام والهتافات وحدها والتي تظل معها المملكة المغربية الشريفة عصية عن كل إستفزاز.

د/ الحسين بكار السباعي
محلل سياسي وخبير إستراتيجي
مدير قطب إفريقيا والتعاون الدولي .
المركز الدولي للأمن والهحرة والتنمية.

Exit mobile version