Site icon موقع الدار

وجوه الأمس في حكومة اليوم.. هل يملك بنعبد الله ما تحتاجه المدرسة المغربية؟

الدار/ إيمان العلوي

أعاد دخول نبيل بنعبد الله إلى التشكيلة الحكومية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري طرح سؤال قديم يتجدد مع كل محطة لإعادة توزيع الحقائب الوزارية: إلى أي حد تستند اختيارات الاستوزار في المغرب إلى معيار الكفاءة وتجديد النخب، وإلى أي حد تظل محكومة بحسابات التوازنات الحزبية ومنطق إعادة تدوير الأسماء التي ألفها المشهد السياسي؟

فالحديث عن عودة الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية إلى دائرة المسؤولية الحكومية لا يتعلق بشخصه وحده، بل يتجاوز ذلك إلى طبيعة الرسائل التي تحملها التشكيلة الجديدة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بقطاع استراتيجي بحجم التعليم والتكوين المهني، الذي يشكل أحد المفاتيح الأساسية لمعالجة البطالة، وتحسين فرص الارتقاء الاجتماعي، وإعداد الكفاءات القادرة على مواكبة التحولات الاقتصادية والتكنولوجية التي يعرفها المغرب.

وتزداد علامات الاستفهام عندما تستحضر الذاكرة السياسية محطة سنة 2017، حين أعفى الملك محمد السادس نبيل بنعبد الله من مهامه وزيراً للسكنى وسياسة المدينة، في سياق تداعيات تعثر برنامج التنمية الحضرية لمدينة الحسيمة، وما رافق تلك المرحلة من مساءلة سياسية لعدد من المسؤولين. كما سبق أن أثار بنعبد الله جدلاً بسبب تصريحاته المتعلقة بفؤاد عالي الهمة، المستشار الملكي، وهي التصريحات التي أعقبتها انتقادات من الديوان الملكي سنة 2016.

وبين تلك المرحلة والعودة إلى الحكومة، تبرز مفارقة سياسية تستحق النقاش: كيف يمكن قراءة استعادة شخصية سبق أن غادرت الحكومة في سياق سياسي اتسم بالمحاسبة، وإسناد مسؤولية جديدة إليها في قطاع تتوقف عليه رهانات التنمية البشرية ومستقبل الأجيال؟ وهل تعكس هذه العودة تقديراً لتجربة سياسية وخبرة تراكمت على مدى سنوات، أم أنها تعبير عن استمرار منطق التوافقات الحزبية الذي يجعل بعض الأسماء حاضرة باستمرار في دوائر القرار، مهما تغيرت الحكومات والظروف؟

لا يتعلق الأمر بإصدار أحكام مسبقة على الوزير الجديد، ولا بالتقليل من حق الأحزاب في اقتراح ممثليها للمشاركة في التدبير الحكومي، وإنما بطرح سؤال مشروع حول المعايير التي ينبغي أن تحكم تقلد المسؤوليات العمومية. فالمناصب الوزارية ليست امتيازات تمنحها التوازنات السياسية، بل تكليفات تقتضي الكفاءة والقدرة على الإنجاز والاستعداد لتحمل المسؤولية أمام المواطنين.

وإذا كان من حق نبيل بنعبد الله، باعتباره فاعلاً سياسياً وحزبياً، العودة إلى العمل الحكومي وفق المساطر الدستورية المعمول بها، فإن من حق الرأي العام أيضاً أن يتساءل عن القيمة المضافة التي سيقدمها، وعن طبيعة الإصلاحات التي يستطيع إطلاقها، وعن الأسباب التي تجعل اختياره مناسباً لقطاع يحتاج إلى نفس جديد ورؤية تتجاوز التدبير اليومي إلى إعادة بناء الثقة في المدرسة العمومية ومنظومة التكوين المهني.

فالتعليم اليوم ليس مجرد حقيبة وزارية تضاف إلى رصيد حزب مشارك في الأغلبية، بل ورش وطني يتطلب قرارات صعبة، وتنسيقاً مؤسساتياً واسعاً، ومواجهة اختلالات متراكمة تشمل جودة التعلمات، والهدر المدرسي، والاكتظاظ، ووضعية الموارد البشرية، وضعف الربط في بعض التخصصات بين التكوين وحاجيات سوق الشغل. كما أن الرهان المرتبط باستعداد المغرب لتنظيم كأس العالم 2030، وتسريع التنمية في مختلف جهات المملكة، يفرض الاستثمار في الكفاءات البشرية باعتباره شرطاً أساسياً للنجاح الاقتصادي والاجتماعي.

ومن هذه الزاوية، يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: هل تحمل الحكومة الجديدة مشروعاً حقيقياً لتجديد النخب وتوسيع دائرة الكفاءات، أم أن منطق اقتسام المسؤوليات بين الأحزاب ما زال يتقدم على معيار التخصص والقدرة على إحداث التحول؟ إن الإجابة لن تتحدد بالخطاب السياسي أو بالسير الذاتية وحدها، بل بما ستكشف عنه القرارات الأولى، وبمدى وضوح البرنامج، وبالقدرة على تحويل الوعود إلى نتائج ملموسة.

كما أن استحضار المحطات السابقة في المسار السياسي لأي مسؤول ينبغي أن يتم وفق الوقائع الموثقة، بعيداً عن تحويل التأويلات إلى حقائق أو التعامل مع كل إعفاء باعتباره حكماً دائماً يمنع صاحبه من تولي مسؤولية لاحقة. غير أن تجاوز الماضي لا يعني إلغاء الأسئلة التي يطرحها، بل يقتضي تقديم حصيلة مقنعة تثبت أن العودة إلى المسؤولية تستند إلى ما هو أكثر من الاعتبارات الحزبية.

إن التحدي الحقيقي أمام نبيل بنعبد الله لا يكمن في الدفاع عن شرعية تعيينه، بقدر ما يكمن في إثبات قدرته على تقديم إضافة نوعية لقطاع التعليم والتكوين المهني. فالمغاربة لا ينتظرون مجرد تغيير في الأسماء، وإنما نتائج تنعكس على جودة المدرسة، وفرص الشباب، وقدرة التكوين على فتح أبواب الشغل، وتكافؤ الفرص بين أبناء مختلف الفئات والمناطق.

أما حكومة فاطمة الزهراء المنصوري، فإنها مطالبة بتوضيح المنطق الذي حكم اختياراتها وإقناع الرأي العام بأن التشكيلة الجديدة قادرة على الاستجابة لحجم الانتظارات الوطنية. فالتجديد الحكومي لا يقاس بعدد الحقائب التي أعيد توزيعها، بل بمدى تجديد طرق التفكير والتدبير، وبقدرة الوزراء على تحقيق التحول الذي ينتظره المواطنون.

تضع عودة بنعبد الله إلى الحكومة ملف المحاسبة السياسية وتجديد النخب أمام اختبار جديد. وبين حق الأحزاب في المشاركة في تدبير الشأن العام وحق المواطنين في مساءلة اختياراتها، يظل المعيار الحاسم هو الأداء والنتائج. فالثقة لا تُستمد من الموقع الوزاري وحده، ولا تُحسم بجدل الماضي، وإنما تُبنى بالإنجاز، وتُختبر بالقدرة على تحمل المسؤولية، وتترسخ حين يشعر المواطن بأن مؤسسات الدولة تضع المصلحة العامة فوق كل اعتبار.

Exit mobile version