المحجوب داسع
يشكل إدراج الذكاء الاصطناعي ضمن التسمية الرسمية للوزارة المكلفة بالتحول الرقمي وإصلاح الإدارة، في إطار الحكومة المغربية الجديدة المعلن عنها يوم 16 أكتوبر 2026، مؤشرا على تنامي مكانة التكنولوجيا في الخيارات المؤسساتية للمملكة. فإسناد حقيبة «الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي وإصلاح الإدارة» إلى أحمد رحو يفتح النقاش حول طبيعة المرحلة الرقمية المقبلة، وحدود الانتقال من تحديث الإدارة وتوسيع الخدمات الإلكترونية إلى بناء سياسة وطنية متكاملة لحوكمة الإنترنت.
ويأتي هذا التحول في سياق دولي يتزايد فيه التنافس على التحكم في البيانات والبنيات التحتية الرقمية، وتطوير نماذج الذكاء الاصطناعي، والتأثير في تدفق المعلومات عبر المنصات الكبرى. ولم يعد الإنترنت مجرد وسيلة للتواصل وتبادل المعطيات، بل أصبح فضاء تتقاطع داخله رهانات الأمن والاقتصاد والمعرفة وحرية التعبير، بما يجعل حوكمته قضية استراتيجية تتطلب رؤية تتجاوز المقاربة التقنية الصرفة.
حوكمة الإنترنت.. ما وراء رقمنة الإدارة
تتمثل أولى الرهانات أمام المغرب في توضيح موقع حوكمة الإنترنت ضمن السياسات العمومية، باعتبارها منظومة تشمل القواعد القانونية والمؤسساتية والتقنية التي تنظم عمل الفضاء الرقمي، وتحدد مسؤوليات الدولة والقطاع الخاص والمنصات والمستخدمين.
فنجاح التحول الرقمي لا يقاس فقط بعدد الخدمات الإدارية المتاحة إلكترونيا، أو بسرعة إنجاز المعاملات، وإنما كذلك بمدى موثوقية هذه الخدمات، وقدرتها على حماية البيانات، وضمان حقوق المستخدمين، وتعزيز الشفافية والمساءلة.
ويقتضي ذلك تنسيقا فعالا بين القطاعات الحكومية والهيئات التنظيمية والمؤسسات المختصة بالأمن السيبراني وحماية المعطيات الشخصية، إلى جانب إشراك الجامعات والباحثين والإعلام والمجتمع المدني والقطاع الخاص في النقاش المتعلق بمستقبل الإنترنت.
إن الرهان، بهذا المعنى، يتمثل في الانتقال من رقمنة الخدمات إلى حوكمة البيئة التي تُنتج هذه الخدمات وتُتداول داخلها البيانات والمعلومات.
السيادة الرقمية.. من استهلاك التكنولوجيا إلى امتلاك أدواتها
تفرض التحولات التكنولوجية المتسارعة سؤال السيادة الرقمية بوصفه أحد أبرز التحديات المطروحة أمام المغرب. فاعتماد الإدارات والمقاولات والمواطنين على منصات وخدمات سحابية وأنظمة ذكاء اصطناعي تطورها شركات دولية يثير قضايا تتصل بمكان تخزين البيانات، وشروط معالجتها، ومدى التحكم في البنيات التحتية والبرمجيات المستخدمة.
ولا تعني السيادة الرقمية الانغلاق عن التكنولوجيا العالمية، وإنما امتلاك القدرة على الاختيار والتطوير والتفاوض، وتقليص التبعية المفرطة لمزودي الخدمات الخارجيين، مع ضمان حماية المعطيات الحساسة واستمرارية الخدمات الحيوية.
وفي هذا السياق، يشكل تنزيل استراتيجية «المغرب الرقمي 2030» وخارطة الطريق «AI Made in Morocco» فرصة لتطوير البنيات التحتية الوطنية، وتعزيز قدرات البحث والابتكار، وتكوين الكفاءات، وتشجيع إنتاج حلول رقمية تستجيب للحاجات الاقتصادية والاجتماعية للمملكة. وقد عرضت الوزارة المكلفة بالانتقال الرقمي، في شتنبر 2026، تقدم عدد من الأوراش المرتبطة بالسيادة الرقمية والبنيات التحتية والسحابة السيادية والمنصات المشتركة.
ويظل التحدي الأساسي هو تحويل هذه التوجهات إلى قدرات إنتاجية مستدامة، تجعل المغرب فاعلا في تطوير التكنولوجيا، لا مجرد مستهلك لها.
الذكاء الاصطناعي.. ضرورة تنظيمية وأخلاقية
إن إدراج الذكاء الاصطناعي في اسم الوزارة يضع على جدول الأعمال سؤال تنظيم استخداماته، خصوصا في القطاعات التي تؤثر مباشرة في حياة المواطنين، مثل الإدارة والتعليم والصحة والخدمات المالية.
فإلى جانب الفرص التي تتيحها هذه التكنولوجيا في تحسين جودة الخدمات ورفع الإنتاجية وتيسير الوصول إلى المعرفة، تبرز مخاطر التحيز الخوارزمي، وانتهاك الخصوصية، وإنتاج المعلومات غير الدقيقة، وصعوبة تحديد المسؤولية عن بعض القرارات الآلية.
ومن ثم، فإن تطوير سياسة وطنية للذكاء الاصطناعي ينبغي أن يقترن بضمانات واضحة للشفافية، وحماية المعطيات، وتقييم المخاطر، وتحديد المسؤوليات، مع مراعاة التناسب بين متطلبات الابتكار وحقوق الأفراد.
كما تبرز أهمية تطوير أدوات ونماذج تراعي الخصوصيات اللغوية والثقافية المغربية، بما فيها العربية والأمازيغية والدارجة، لضمان حضور أكبر للمحتوى المحلي في البيئة الرقمية، وتوسيع إمكانات الاستفادة من التكنولوجيا لدى مختلف فئات المجتمع.
المنصات الرقمية ومواجهة التضليل
تُعد حوكمة المنصات الرقمية من الملفات التي تزداد أهميتها مع توسع تأثير شبكات التواصل الاجتماعي في تشكيل الرأي العام وتداول الأخبار والمعلومات. فقد أصبحت هذه المنصات فضاءات مركزية للنقاش العمومي، لكنها تتيح أيضا انتشار الأخبار الزائفة وخطابات الكراهية والمحتويات المضللة، بما في ذلك المواد المصطنعة باستخدام الذكاء الاصطناعي.
ويحتاج المغرب إلى مقاربة متوازنة في هذا المجال، تجمع بين التصدي للمحتويات غير المشروعة، وتعزيز شفافية المنصات، وحماية المستخدمين، وصيانة حرية التعبير والحق في الوصول إلى المعلومات.
ولا يمكن أن تقوم هذه المقاربة على الحلول القانونية وحدها، بل تتطلب أيضا تقوية التربية الإعلامية والرقمية، ودعم الصحافة المهنية، وتعزيز قدرات المواطنين على التحقق من المعلومات وفهم آليات إنتاج المحتوى وتداوله.
كما يظل التعاون مع المنصات الرقمية الكبرى ضروريا لتطوير آليات أكثر شفافية للتعامل مع المحتويات المخالفة للقانون، مع ضمان الإجراءات المنصفة وإمكانية الطعن والمراجعة.
الأمن السيبراني وحماية البيانات.. أساس الثقة الرقمية
كلما توسع الاعتماد على الخدمات الرقمية، ازدادت الحاجة إلى حماية الأنظمة المعلوماتية والشبكات والبنيات التحتية الحيوية من الهجمات والاختراقات. فالأمن السيبراني لم يعد مسألة تقنية محصورة في المصالح المتخصصة، بل أصبح عنصرا أساسيا في استمرارية المرافق العمومية واستقرار الاقتصاد وحماية المواطنين.
وتتطلب مواجهة هذه التحديات تعزيز التنسيق المؤسساتي، وتطوير الكفاءات الوطنية، وتحسين الاستعداد للاستجابة للحوادث السيبرانية، إلى جانب نشر الوعي بمخاطر الاحتيال الرقمي وسرقة الهوية واستغلال البيانات الشخصية.
وتكتسب حماية المعطيات الشخصية أهمية موازية، بالنظر إلى اتساع نطاق جمع البيانات ومعالجتها في الخدمات الإدارية والتجارية والمنصات الرقمية. فالثقة في التحول الرقمي لا تتحقق بمجرد توفير تطبيقات سهلة الاستخدام، بل تستند أيضا إلى ضمانات قانونية وتقنية تمنع الاستعمال غير المشروع للبيانات وتحمي الحياة الخاصة.
عدالة رقمية لا تترك أحدا خلف الركب
لا تكتمل حوكمة الإنترنت من دون ضمان استفادة المواطنين من الفرص التي يوفرها الفضاء الرقمي، بصرف النظر عن موقعهم الجغرافي أو وضعهم الاجتماعي أو مستوى مهاراتهم التقنية.
ويطرح هذا الأمر تحدي تقليص الفجوة الرقمية بين المدن والمناطق القروية، وتحسين جودة الاتصال، وتيسير الولوج إلى الخدمات بالنسبة إلى الأشخاص في وضعية إعاقة وكبار السن والفئات الهشة.
كما أن توفير محتوى رقمي ملائم للتعدد اللغوي والثقافي المغربي، وتعزيز التكوين في المهارات الرقمية، يشكلان شرطين أساسيين لتحويل التكنولوجيا إلى رافعة للتنمية والاندماج الاجتماعي.
فالمواطنة الرقمية لا تعني فقط القدرة على الاتصال بالإنترنت، وإنما تشمل أيضا القدرة على استخدامه بأمان ووعي، والاستفادة من خدماته، وفهم الحقوق والواجبات المرتبطة بالحضور في الفضاء الرقمي.
المغرب والحوكمة الدولية للإنترنت
لا تتوقف رهانات الإنترنت عند الحدود الوطنية، إذ ترتبط البيانات والخدمات السحابية والمنصات والهجمات السيبرانية بشبكات وعلاقات عابرة للحدود. لذلك، يحتاج المغرب إلى تعزيز حضوره في النقاشات الدولية بشأن حوكمة الإنترنت والذكاء الاصطناعي، والمساهمة في تطوير قواعد توازن بين الابتكار والأمن والحقوق الأساسية.
ويتيح الموقع الإقليمي للمملكة وشراكاتها الإفريقية والدولية فرصا لتطوير التعاون في مجالات الأمن السيبراني وتبادل الخبرات وتكوين الكفاءات وبناء القدرات الرقمية.
كما ينبغي أن تتجاوز المشاركة الدولية الحضور في المنتديات والاجتماعات إلى المساهمة الفعلية في صياغة المعايير والمبادئ التي تؤطر مستقبل الفضاء الرقمي، والدفاع عن مصالح الدول النامية في الوصول إلى التكنولوجيا والمعرفة والبنيات التحتية.
من تغيير التسمية إلى تغيير الممارسة
إن إحداث حقيبة وزارية تحمل اسم «الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي وإصلاح الإدارة» يمنح هذا الملف حضورا مؤسساتيا واضحا، لكنه لا يشكل، في حد ذاته، دليلا على اكتمال سياسة وطنية لحوكمة الإنترنت. فقيمة التحول ستتحدد بمدى قدرة الوزارة على تنسيق السياسات، وتوضيح المسؤوليات، وتحويل الاستراتيجيات المعلنة إلى برامج قابلة للقياس والتقييم.
ويستدعي ذلك وضع أهداف عملية في مجالات السيادة الرقمية، وحماية البيانات، والأمن السيبراني، وتنظيم استخدامات الذكاء الاصطناعي، وتطوير المحتوى المحلي، وتعزيز التربية الإعلامية والرقمية، مع إشراك مختلف الفاعلين في تقييم النتائج.
في المحصلة، لا يكمن التحدي أمام المغرب في مواكبة التحولات التكنولوجية فحسب، بل في امتلاك القدرة على توجيهها بما يخدم التنمية ويحمي الحقوق ويعزز الثقة في المؤسسات. فحوكمة الإنترنت ليست شأنا تقنيا أو إداريا محدودا، وإنما قضية ترتبط بمستقبل الاقتصاد والمعرفة والمجال العام.
ومن هنا، فإن الاختبار الحقيقي للوزارة الجديدة سيكون في قدرتها على الانتقال من تدبير التحول الرقمي إلى بناء نموذج مغربي لحوكمة الإنترنت، يوازن بين السيادة والانفتاح، والابتكار والمسؤولية، والأمن والحرية، ويمنح المواطن موقعا مركزيا في السياسات الرقمية.
