سلايدرمغرب

وزيرة لأقل من 48 ساعة ومعاش مدى الحياة؟ مفارقة التعيين والإعفاء في المغرب

 

الدار/ إيمان العلوي

في الوقت الذي يحتاج فيه آلاف المغاربة إلى سنوات طويلة من العمل لاستحقاق معاش التقاعد، تفتح واقعة تعيين مديحة خيير وإعفائها بعد أقل من يومين باباً جديداً للنقاش حول الامتيازات المرتبطة بالمناصب الحكومية، وحدود التناسب بين مدة تحمل المسؤولية والاستفادة من الحقوق المالية المترتبة عنها.

المفارقة التي تستحق التوقف عندها ليست فقط أن مديحة خيير انتقلت بسرعة قياسية من صفة وزيرة منتدبة إلى صفة وزيرة سابقة، بل إن المعطيات المتداولة بشأن احتفاظها بالمعاش الوزاري تعيد إلى الواجهة سؤالاً قديماً متجدداً: هل ينبغي أن تترتب عن مجرد تولي المنصب الحكومي امتيازات تقاعدية، حتى عندما تنتهي التجربة قبل أن تبدأ فعلياً؟

في السياسة المغربية، قد يستغرق الوصول إلى مقعد حكومي مساراً طويلاً من الحسابات الحزبية والمشاورات والتوازنات، لكن تجربة مديحة خيير اختزلت المسافة بين التعيين والإعفاء في أقل من 48 ساعة. وبين اللحظتين، وجد الرأي العام نفسه أمام واقعة غير مألوفة تثير تساؤلات بشأن طريقة إعداد التعيينات الحكومية، ومدى التدقيق في الملفات قبل الإعلان الرسمي عنها.

غير أن الجانب الأكثر إثارة للنقاش يتعلق بما يأتي بعد مغادرة المنصب. فبينما انتهت المهمة الحكومية بسرعة استثنائية، تشير المعطيات المتداولة إلى أن الإعفاء لا يعني بالضرورة فقدان الحقوق المرتبطة بالمعاش الوزاري. وهنا تظهر المفارقة التي تختصر جوهر النقاش: قد تكون المسؤولية قصيرة جداً، لكن آثارها المالية والقانونية يمكن أن تمتد إلى ما بعد مغادرة الحكومة.

ومن الناحية القانونية، لا ينبغي الخلط بين المعاش الوزاري والتعويضات المرتبطة بمزاولة المهام الحكومية. كما أن تحديد مدى استحقاق المعاش في حالة بعينها يقتضي الرجوع إلى النصوص المنظمة وشروط الاستفادة منها، وليس الاكتفاء بمدة شغل المنصب أو بما يتم تداوله على منصات التواصل الاجتماعي. لذلك، فإن القول باحتفاظ خيير بهذا الحق يستدعي التثبت من وضعيتها القانونية الدقيقة، ومن الأساس الذي يستند إليه الاستحقاق.

لكن حتى مع احترام المساطر القانونية، يظل النقاش السياسي والمجتمعي مشروعاً. فالقانون يحدد ما يجوز وما لا يجوز، بينما تطرح الحكامة سؤالاً إضافياً حول مدى تناسب الامتيازات العمومية مع طبيعة المسؤولية ومدتها، وحول ما إذا كانت القواعد الحالية تحقق التوازن المطلوب بين حماية الحقوق وتكريس مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.

والسؤال هنا ليس ما إذا كان ينبغي حرمان شخص من حق يضمنه القانون، بل ما إذا كانت القواعد المنظمة للمعاشات والامتيازات الوزارية تحتاج إلى مراجعة تضمن وضوح شروط الاستفادة منها، وتمنع أي التباس بين الاستحقاق القانوني والجدوى السياسية والاجتماعية لهذه الامتيازات. فالمساواة أمام القانون لا تعني تجاهل النقاش بشأن القوانين نفسها، بل تقتضي فتحه على أساس المعطيات الدقيقة والاعتبارات الموضوعية.

أما حكومة فاطمة الزهراء المنصوري، فإن واقعة التعيين والإعفاء السريع تضع أمامها سؤالين متلازمين: كيف يمكن تفادي تكرار تعيينات تنتهي بهذه السرعة؟ وكيف يمكن تعزيز ثقة المواطنين في تدبير المناصب العليا والامتيازات المرتبطة بها؟ فالتراجع عن تعيين قد يكون ضرورياً عندما تظهر أسباب تستدعي ذلك، لكن جودة التدبير تبدأ من التحضير الجيد قبل الإعلان، ومن التواصل الواضح بعد اتخاذ القرار.

قد تكون مديحة خيير قد غادرت الحكومة قبل أن تتاح لها فرصة طويلة لممارسة مهامها، لكن الواقعة فتحت نقاشاً أوسع من مسار وزيرة واحدة. نقاشاً حول معنى المسؤولية العمومية، وحدود الامتيازات المرتبطة بها، والفارق بين ما يسمح به القانون وما ينتظره المواطنون من عدالة وشفافية في تدبير المال العام.

فهل أصبحت الوزارة في المغرب تجربة قد لا تدوم يومين، بينما يستمر النقاش حول امتيازاتها سنوات؟ سؤال ساخر في ظاهره، لكنه يضع منظومة التعيين والاستحقاق والتقاعد أمام ضرورة التوضيح، حتى لا تتحول واقعة استثنائية إلى مناسبة جديدة لاتساع الهوة بين منطق المؤسسات وانتظارات المواطنين.

زر الذهاب إلى الأعلى