الحكومةسلايدر

من التعيين إلى الإعفاء في يومين.. هزة مبكرة تربك حسابات حكومة المنصوري

 

الدار/ إيمان العلوي

لم تكن حكومة فاطمة الزهراء المنصوري في حاجة إلى وقت طويل كي تجد نفسها في مواجهة أول اختبار سياسي وإعلامي ثقيل. فبعد يومين فقط من تعيين أعضائها، جاء إعفاء ماديحة خيير، الوزيرة المنتدبة المكلفة بالتكوين المهني والتأهيل، ليبدد جانباً من أجواء الانطلاقة الرسمية، ويضع الحكومة الجديدة أمام أسئلة لم يكن من المفترض أن تفرض نفسها بهذه السرعة: كيف تمر التعيينات الحكومية عبر مختلف مراحل التدقيق، ثم تتحول إحداها، في ظرف وجيز، إلى أزمة تستدعي تدخلاً عاجلاً؟ وأين تنتهي مسؤولية الشخص المعني، وأين تبدأ مسؤولية المؤسسات والأحزاب التي اقترحته ودافعت عن اختياره؟

إن خطورة هذه الواقعة لا تكمن فقط في قصر المدة الفاصلة بين التعيين والإعفاء، بل في الرسالة السياسية التي تحملها. فالحكومة التي تقدم نفسها باعتبارها فريقاً جديداً مطالباً بالإنجاز والوفاء بالالتزامات، وجدت نفسها مضطرة إلى تدبير أزمة مرتبطة بأحد أعضائها قبل أن تنطلق فعلياً في تنفيذ برنامجها، أو تعرض أولوياتها على البرلمان والرأي العام. وهكذا، انتقل النقاش من سؤال ما الذي ستنجزه الحكومة إلى سؤال أكثر إحراجاً: كيف جرى تدبير هذا التعيين منذ البداية؟

بلاغ الديوان الملكي حسم مسألة إنهاء مهام الوزيرة بناء على طلب رئيسة الحكومة، فيما أوضح الناطق الرسمي باسم الحكومة أن القرار جاء عقب تداول معطيات قضائية وطبية ذات طابع شخصي، وبعد تقدير سياسي ومؤسساتي تقاسمته مكونات الأغلبية. غير أن هذا التوضيح، على أهميته في تحديد الإطار الرسمي للقرار، لم ينهِ جميع الأسئلة المتعلقة بكيفية تقييم الترشيح قبل التعيين، ولا بالمعايير التي اعتمدتها الجهات الحزبية والسياسية المعنية في اختيار اسم لشغل منصب حكومي.

وهنا تحديداً تبدأ المساءلة الحقيقية. فالمناصب الوزارية ليست مكافآت حزبية توزع في نهاية المفاوضات، ولا مجرد حصص تضمن التوازنات داخل الأغلبية؛ إنها مسؤوليات عمومية تقتضي التدقيق في الكفاءة والمسار والقدرة على تحمل تبعات القرار السياسي. وعندما تتعثر إحدى التعيينات بهذه السرعة، يصبح من المشروع التساؤل عن مدى نجاعة آليات الفحص والتقييم، من دون تحويل الشكوك إلى أحكام مسبقة أو اعتبار المعلومات المتداولة في الفضاء الرقمي حقائق قضائية نهائية.

أما بالنسبة إلى فاطمة الزهراء المنصوري، فإن القضية تضعها أمام أول امتحان يتعلق بأسلوب قيادة الحكومة، وليس فقط بإدارة أزمتها الأولى. فقيادة الجهاز التنفيذي لا تُختبر في لحظات الإعلان عن التشكيلة الحكومية وحدها، بل في القدرة على ضمان الانسجام بين مكوناتها، وتوضيح المسؤوليات، والتعامل مع الاختلالات المحتملة بمنطق المؤسسات لا بمنطق إطفاء الحرائق بعد اندلاعها.

والأهم أن هذه الواقعة تفتح النقاش حول مسؤولية الأحزاب المشاركة في الأغلبية. فإذا كانت رئيسة الحكومة تتحمل المسؤولية الدستورية والسياسية عن تدبير الفريق التنفيذي، فإن الحزب الذي اقترح مرشحاً لمنصب وزاري لا يمكن أن يعتبر مهمته منتهية بمجرد صدور قرار التعيين. فالمسؤولية الحزبية تقتضي بدورها مراجعة آليات انتقاء المرشحين، وتقييم مساراتهم، والتحقق من مدى ملاءمتهم لتحمل مسؤوليات عمومية تفرض أعلى درجات الاحتياط والشفافية.

لكن السؤال الأكثر إثارة للجدل يظل معلقاً: هل نحن أمام واقعة معزولة جرى احتواؤها بسرعة، أم أن ما حدث سيقود إلى مراجعة أوسع لطريقة إعداد التعيينات الحكومية؟ لا توجد، في حدود المعطيات المعلنة، أدلة تسمح بالجزم بأن ملفات أخرى تنتظر دورها أو أن إعفاءات جديدة أصبحت حتمية. ومع ذلك، فإن سرعة تطور القضية تجعل من الصعب التعامل معها باعتبارها تفصيلاً عابراً لا يستحق التوقف عنده.

فالحكومات لا تفقد ثقة الرأي العام بالضرورة بسبب واقعة واحدة، لكنها قد تواجه أزمة أعمق عندما تتكرر الأسئلة نفسها من دون أجوبة مقنعة، أو عندما تصبح البلاغات الرسمية وسيلة لإعلان القرارات لا لتفسير سياقاتها. والفرق كبير بين حكومة تتحرك بسرعة لتصحيح مسار متعثر، وحكومة تضطر في كل مرة إلى انتظار انفجار الجدل قبل أن تبدأ في التدخل.

ثم إن شعار التركيز على البرنامج الحكومي وانتظارات المواطنين، الذي ورد في التوضيحات الرسمية، لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر لتجاوز الأسئلة المشروعة حول شروط تولي المسؤولية. فالأولويات الاقتصادية والاجتماعية لا تتعارض مع الشفافية، بل تحتاج إليها. ولا يمكن إقناع المواطنين بأن الحكومة قادرة على معالجة ملفات التشغيل والتعليم والتكوين المهني، إذا ظلت طريقة اختيار بعض المسؤولين أنفسهم موضع تساؤل.

إن ما حدث مع ماديحة خيير لا يكفي وحده للحديث عن فضائح متتالية، لكنه يكفي لطرح سؤال جوهري حول جودة التحضير للتعيينات ومدى تحمل الأحزاب مسؤوليتها قبل وصول مرشحيها إلى المناصب الحكومية. كما أن سرعة الإعفاء، وإن كانت قد حدّت من استمرار الأزمة داخل التشكيلة الحكومية، لا تعفي من مراجعة الظروف التي أدت إلى نشوئها.

في السياسة، قد يكون احتواء الأزمة ضرورة، لكن استخلاص الدروس منها هو الاختبار الأهم. وإذا أرادت حكومة فاطمة الزهراء المنصوري أن تتجاوز عثرة البداية، فإن المطلوب ليس الاكتفاء بإغلاق ملف التعيين، بل إظهار أن ما وقع سيقود إلى تدقيق أكبر في الاختيارات المقبلة، وإلى قواعد أكثر وضوحاً في تحمل المسؤولية والمحاسبة.

أما السؤال عما إذا كانت هذه بداية سلسلة من الإعفاءات والملفات المثيرة للجدل، فستجيب عنه الوقائع المقبلة، لا التكهنات. لكن المؤكد أن الحكومة دخلت اختبار الثقة قبل أن تدخل اختبار الإنجاز، وأن أي تعثر جديد في تدبير التعيينات أو التواصل بشأنها سيعيد إلى الواجهة سؤالاً أكثر عمقاً من مصير وزيرة واحدة: هل تملك الحكومة الجديدة من آليات الاستباق والشفافية ما يكفي لمنع الأزمات، أم أنها ستظل تتحرك تحت ضغط ما تكشفه الأحداث تباعاً؟

زر الذهاب إلى الأعلى