المنصوري ترفع شعار محاربة الفساد من بوابة البرلمان.. هل تملك الحكومة شجاعة مواجهة تضارب المصالح أم أن الوعود أكبر من إرادة التنفيذ؟

الدار/ إيمان العلوي
لم يكن عرض فاطمة الزهراء المنصوري للبرنامج الحكومي أمام مجلس النواب مجرد إجراء دستوري يفتتح مرحلة جديدة من التدبير الحكومي، بل شكل مناسبة لطرح سؤال جوهري حول طبيعة التحول الذي تعد به الحكومة، وحدود قدرتها على معالجة الاختلالات التي راكمت شعوراً متزايداً لدى فئات من المغاربة بأن الوعود السياسية لا تتحول بالسرعة المطلوبة إلى نتائج ملموسة.
ففي الوقت الذي اختارت فيه رئيسة الحكومة وضع تجريم الإثراء غير المشروع ومحاربة تضارب المصالح ضمن الالتزامات المعلنة، يجد الخطاب الحكومي نفسه أمام امتحان المصداقية. ذلك أن مكافحة الفساد ليست قضية تقنية تختزل في تعديل القوانين أو إطلاق التصريحات، وإنما معركة تتطلب إرادة سياسية واضحة، وقواعد تطبق على الجميع دون استثناء، ومؤسسات قادرة على مراقبة تدبير المال العام وترتيب المسؤوليات على أساس نتائج ملموسة.
والسؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس ما إذا كانت محاربة الفساد هدفاً مشروعاً، فذلك مطلب يتقاسمه المغاربة، وإنما ما إذا كانت الحكومة مستعدة للانتقال من إعلان النوايا إلى وضع إجراءات عملية تحد من تضارب المصالح، وتمنع استغلال المسؤولية العمومية لتحقيق منافع خاصة، وتضمن شفافية الصفقات والقرارات الاقتصادية والإدارية. فكيف يمكن إقناع الرأي العام بجدية هذه الالتزامات من دون تحديد آليات تنفيذها، والآجال الزمنية لتنزيلها، والجهات المسؤولة عن مراقبتها؟
وتزداد حساسية هذا الملف بالنظر إلى أن الوعود المتعلقة بمحاربة الإثراء غير المشروع ليست جديدة في النقاش السياسي المغربي. فقد سبق أن شهدت السنوات الماضية جدلاً واسعاً حول التشريعات المرتبطة بمكافحة الفساد، ما يجعل الحكومة الحالية مطالبة بتقديم ما يتجاوز إعادة طرح المطالب ذاتها. فالمغاربة لا ينتظرون اكتشاف أهمية النزاهة من جديد، بل يريدون معرفة لماذا تعثرت بعض الإصلاحات، وما الذي سيضمن ألا تنتهي الالتزامات الحالية إلى المصير نفسه.
غير أن التركيز على الحكامة والنزاهة، مهما كانت أهميته، لا ينبغي أن يحجب الاختبار الاجتماعي الأكثر إلحاحاً. فالمواطن الذي يراقب ميزانيته الشهرية تحت ضغط الأسعار، والشاب الذي يبحث عن فرصة عمل مستقرة، والأسرة التي تتطلع إلى تعليم جيد وعلاج لائق، لا يقيسون أداء الحكومة بعدد الملفات التي تعلن إعطاءها الأولوية، وإنما بقدرتها على تخفيف أعبائهم وتحسين شروط عيشهم.
ومن هنا، فإن البرنامج الحكومي مطالب بالإجابة عن أسئلة أكثر تحديداً: ما الإجراءات التي ستحد من تآكل القدرة الشرائية؟ ما حجم فرص الشغل التي تستهدف الحكومة إحداثها، وما طبيعتها وجودتها؟ كيف ستقلص الفوارق في الولوج إلى الصحة والتعليم بين المدن والمناطق الأقل استفادة من التنمية؟ ومتى يمكن للمواطن أن يلمس نتائج الإصلاحات الموعودة بعيداً عن المؤشرات العامة والخطابات التفاؤلية؟
إن خطورة أي برنامج حكومي لا تكمن بالضرورة في الأهداف التي يعلنها، بل في المسافة التي قد تفصل تلك الأهداف عن الواقع. فقد تبدو الالتزامات طموحة على الورق، لكن غياب مؤشرات دقيقة للقياس، أو عدم ربط كل هدف بآجال ومسؤوليات واضحة، يفتح المجال أمام استمرار النهج التقليدي الذي يسمح بتجديد الوعود من دون أن تصبح نتائجها قابلة للمحاسبة السياسية.
ويفرض السياق الاقتصادي والاجتماعي الراهن على حكومة المنصوري تقديم تصور متكامل يربط بين الاستثمار والنمو والتشغيل والعدالة الاجتماعية. فاستقطاب المشاريع الكبرى وتطوير البنيات التحتية استعداداً للاستحقاقات الدولية المقبلة، وفي مقدمتها كأس العالم 2030، يظلان رهانات مهمة، لكن نجاحهما لا ينبغي أن يقاس فقط بحجم الاستثمارات أو بجاذبية الصورة التي يقدمها المغرب خارجياً، بل أيضاً بقدرتهما على خلق فرص العمل وتحسين الخدمات وتوسيع دائرة المستفيدين من الثروة.
كما أن التعهد بمحاربة تضارب المصالح يضع الحكومة أمام مسؤولية إضافية تتمثل في إرساء نموذج في تدبير الشأن العام يضمن وضوح القواعد وتكافؤ الفرص، ويعزز ثقة المواطنين والمستثمرين في المؤسسات. فلا يمكن مطالبة المجتمع بالثقة في السياسات العمومية إذا ظلت آليات الشفافية والمساءلة أقل وضوحاً من الوعود التي تقدم باسم الإصلاح.
ومن الناحية السياسية، ستواجه المنصوري تحدياً مزدوجاً: إثبات قدرة حكومتها على تجاوز حدود التدبير اليومي نحو إصلاحات ذات أثر ملموس، وإقناع الرأي العام بأن المرحلة الجديدة تحمل تغييراً في أسلوب العمل، لا مجرد تغيير في الواجهة والخطاب. فالمسؤولية الحكومية لا تبدأ عند تقديم البرنامج أمام البرلمان، بل تبدأ فعلياً عندما تصبح كل نقطة فيه موضوعاً للمساءلة، وعندما تتحول الالتزامات إلى قرارات يمكن تقييم نتائجها ومحاسبة المسؤولين عن تعثرها.
لن يكون الحكم على برنامج فاطمة الزهراء المنصوري رهيناً بمدى قوة العناوين التي اختارتها الحكومة، بل بقدرتها على مواجهة الملفات التي ظلت تؤرق المغاربة لسنوات. فهل ستجعل رئيسة الحكومة من مكافحة الفساد وتضارب المصالح مدخلاً لإصلاح حقيقي يعيد الاعتبار للمسؤولية العمومية، ويقرن السلطة بالمحاسبة؟ أم أن البرنامج سيضيف فصلاً جديداً إلى سجل التعهدات السياسية التي تتقدم في الخطاب أسرع مما تتقدم في الواقع؟
إن الإجابة لن يقدمها البرلمان وحده، ولن تحسمها التصريحات الحكومية، بل ستكتبها القرارات المقبلة، وما ستكشفه من إرادة فعلية للإصلاح، وما سيجنيه المواطن من نتائجها. فالمغرب لا يحتاج إلى وعود أكثر بقدر ما يحتاج إلى حكومة تجعل من الوفاء بوعودها معياراً لشرعيتها السياسية ومصداقيتها أمام المجتمع.






