Site icon موقع الدار

والداه من المغرب وهو على أبواب رئاسة الحكومة الإسرائيلية.. من هو غادي آيزنكوت؟

الدار/ إيمان العلوي

تختزن سيرة غادي آيزنكوت، أحد أبرز الأسماء المطروحة لمنافسة بنيامين نتنياهو على رئاسة الحكومة الإسرائيلية، مفارقة لافتة تجمع بين جذور عائلية مغربية ومسار عسكري وسياسي تشكل داخل إسرائيل. فالرجل الذي أمضى سنوات طويلة في قيادة الجيش الإسرائيلي، قبل الانتقال إلى العمل الحزبي، ينتمي إلى أسرة هاجرت من المغرب، في امتداد بشري وتاريخي يربط شخصيات بارزة في الحياة العامة الإسرائيلية ببلد الأصل الذي غادره آباؤها وأجدادها.

وُلد آيزنكوت في 19 ماي 1960 بمدينة طبريا شمال إسرائيل، وليس بمدينة الصويرة كما تذهب بعض الروايات المتداولة. وتعود جذور والديه إلى المغرب؛ إذ تشير السير الإعلامية المنشورة عنه إلى أن والده ينحدر من مراكش، فيما ترتبط أصول والدته بالدار البيضاء. أما الصويرة، التي تستحضر بقوة في هذا السياق بفضل تاريخها العريق وتراثها اليهودي المغربي، فلا تتوافر معطيات موثوقة تثبت انتماء عائلة الجنرال إليها بصورة مباشرة.

وتشكل حكاية الأسرة مدخلاً لفهم جانب من خلفية الرجل الذي وصل إلى واحدة من أكثر المؤسسات حساسية في إسرائيل. فقد نشأ ضمن عائلة مغربية مهاجرة، وانتقل خلال طفولته إلى مدينة إيلات، حيث تشكلت سنواته الأولى بعيداً عن مراكز القرار السياسي. ولم يكن الطريق الذي اختاره لاحقاً مرتبطاً بالعمل السياسي في بدايته، بل اتجه إلى المؤسسة العسكرية، التي أصبحت المجال الرئيسي لمساره المهني لعقود.

ولا يخفي آيزنكوت أصول والديه، بل تحدث عنها علناً في مقابلة مع موقع «Ynet» الإسرائيلي، مؤكداً أن والديه قدما من المغرب. كما أشار إلى أنه لم يشعر بالتمييز بسبب خلفيته العائلية، وأن أسرته لم تكن تتعامل مع الانتماء العرقي باعتباره عائقاً أمام النجاح. وفي روايته لبعض تفاصيل حياة والديه بعد الهجرة، رفض تقديم تجربتهما في صورة لا تعكس ما عاشاه فعلاً، مفضلاً أن تستند قصتهما إلى الوقائع بدلاً من بناء رواية انتخابية على معاناة لم يعتبرها مطابقة لحقيقتهما.

وتكشف هذه الشهادة عن علاقة واضحة بين الرجل وتاريخه العائلي، لكنها لا تكفي وحدها لنسب تصريح مباشر إليه بشأن اعتزازه بأصوله المغربية بالصيغة التي تتداولها بعض المنشورات. والأدق أن آيزنكوت أقر علناً بانتماء والديه إلى المغرب، فيما يظل التعبير عن هذا الانتماء في إطار الاعتزاز الشخصي أمراً ينبغي ربطه بتصريحات صريحة وموثقة، لا باستنتاجات مبنية على الأصل العائلي وحده.

ومن إيلات، انتقل آيزنكوت إلى مسار عسكري انتهى به إلى قيادة أركان الجيش الإسرائيلي. التحق بالجيش سنة 1978، وبدأ خدمته في لواء غولاني، قبل أن يتدرج في المسؤوليات العسكرية ويشغل مناصب قيادية متعددة. كما تولى مهام في القيادة الشمالية، وعمل سكرتيراً عسكرياً لرئيس الوزراء ووزير الدفاع إيهود باراك، وصولاً إلى تعيينه رئيساً لأركان الجيش في فبراير 2015، وهو المنصب الذي شغله حتى يناير 2019.

وخلال هذه المرحلة، ارتبط اسمه بالقرارات العسكرية الكبرى وبمقاربة أمنية تعتمد الردع واستخدام القوة. كما اشتهر بما يعرف بـ«عقيدة الضاحية»، التي تقوم على توجيه ضربات واسعة إلى مناطق وبنى تحتية مرتبطة بالجماعات المسلحة، وهي مقاربة أثارت انتقادات بشأن آثارها على المدنيين ومدى توافقها مع قواعد القانون الدولي الإنساني. وتوضح هذه الخلفية أن انتقاله إلى السياسة لم يأت من خارج المؤسسة الأمنية، بل من داخلها، حاملاً معه تجربة طويلة ومواقف متشددة في عدد من الملفات الإقليمية.

وبعد مغادرته الجيش، دخل آيزنكوت الحياة السياسية، وانضم سنة 2022 إلى حزب «الوحدة الوطنية» بقيادة بيني غانتس. ثم أعلن في شتنبر 2025 تأسيس حزب «ياشار»، في محاولة لتقديم نفسه بديلاً سياسياً عن قيادة نتنياهو وتوسيع قاعدة المعارضين له. ومع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية، برز اسمه ضمن الشخصيات التي تسعى إلى تغيير موازين القوى داخل المعسكر المناهض لرئيس الحكومة الحالي.

وزاد حضوره خلال الحرب التي اندلعت في أكتوبر 2023، بعدما شارك في حكومة الحرب بصفة مراقب. لكنه غادرها لاحقاً، منتقداً إدارة نتنياهو للحرب وعدم تحقيق الأهداف التي أعلنتها الحكومة. ومع ذلك، لا يقدم آيزنكوت نفسه باعتباره صاحب توجه أقل تشدداً في القضايا الأمنية؛ فهو يتمسك بمواقف صارمة تجاه حركة حماس وإيران، ويعارض إقامة دولة فلسطينية وفق مواقفه المعلنة. ولذلك، فإن منافسته لنتنياهو ترتبط أيضاً بالخلاف على إدارة الحرب والقيادة السياسية، ولا تعني بالضرورة اختلافاً جذرياً في التوجهات الأمنية.

وفي قلب هذه التجربة السياسية، حضرت مأساة شخصية تركت أثراً بالغاً في حياته. فقد قُتل ابنه غال، البالغ من العمر 25 عاماً، خلال العمليات العسكرية في قطاع غزة في دجنبر 2023، كما فقد اثنين من أبناء إخوته خلال الحرب. وأصبحت هذه الخسائر جزءاً من النقاش العام المحيط بآيزنكوت، الذي تحدث عن عائلته وتضحياتها في سياق رؤيته لمستقبل إسرائيل وقراره مواصلة العمل السياسي.

أما في السباق نحو رئاسة الحكومة، فقد أوردت وكالة «رويترز» في تقرير نشرته يوم 23 أكتوبر 2026 أن آيزنكوت أصبح أحد أبرز المنافسين لنتنياهو، مستندة إلى استطلاعات أظهرت حضور حزبه في المشهد الانتخابي. غير أن حسم المنصب لا يتوقف على ترتيب الأحزاب في الاستطلاعات وحده، بل يرتبط أيضاً بتوزيع المقاعد في الكنيست وقدرة الأطراف المتنافسة على بناء ائتلاف يحظى بالأغلبية اللازمة لتشكيل الحكومة.

وتكتسب الجذور المغربية لآيزنكوت أهمية رمزية في بلد يحتفظ بذاكرة تاريخية عميقة عن اليهود المغاربة، الذين أسهموا عبر قرون في الحياة الاقتصادية والثقافية والاجتماعية للمملكة. وتظل مدن مراكش والدار البيضاء وطنجة والصويرة من أبرز العناوين التي تستحضر هذا الإرث، بما تحمله من شواهد على الحضور اليهودي المغربي وعلى التفاعل بين مكونات المجتمع المغربي.

Exit mobile version