Site icon موقع الدار

يعزف انتخابياً ويتابع سياسياً.. ماذا وراء مفارقة المواطن المغربي؟

الدار/ كلثومة ادبوفراض

ذكرت رئيسة الحكومة، خلال مداخلتها بقبة البرلمان، على هامش الجلسة المخصصة للرد على تدخلات الفرق والمجموعات النيابية بشأن مناقشة البرنامج الحكومي، أن ضعف المشاركة السياسية في الانتخابات يعود إلى السجالات والنقاشات التي يخوضها النواب البرلمانيون والبرلمانيات، والتي لا تفضي، بحسب تعبيرها، إلى مناقشة الملفات المطروحة على الطاولة، والتي تشكل أولوية بالنسبة إلى المغاربة.

وكما هو معلوم، فقد عرفت الانتخابات التشريعية التي جرت يوم 23 شتنبر 2026 تراجعاً في نسبة المشاركة في التصويت، التي بلغت نحو 38.02 في المائة على المستوى الوطني، وفق الأرقام التي أعلنتها وزارة الداخلية، مسجلة انخفاضاً مقارنة بالانتخابات البرلمانية السابقة خلال سنوات 2021 و2016 و2011.

وفي المقابل، وبعد انتهاء هذه المحطة الانتخابية، التي اتسمت بنقاش حول أزمة الثقة في المؤسسات الحكومية والسياسية، يبرز الشباب باعتبارهم إحدى الفئات التي يطرح موقفها من المشاركة السياسية تساؤلات عدة، خاصة في ظل شعور جزء منهم بعدم جدوى التصويت، وغياب آثار ملموسة للبرامج الحزبية على أرض الواقع الذي يعيشونه، في ظل الحكومات المتعاقبة، ما دفع أغلبيتهم إلى الاعتقاد بأن أي حكومة جديدة لن تكون سوى امتداد للحكومات السابقة.

وفي السياق ذاته، أنجزت جمعية «المواطنون» دراسة ميدانية بهذا الخصوص، خلُصت إحدى نتائجها إلى وجود فجوة بين الاهتمام بالشأن العام والمشاركة الفعلية، كما أظهرت أن شبكات التواصل الاجتماعي تشكل المصدر الرئيسي للمعلومات السياسية بالنسبة لهذه الفئة الحيوية من المجتمع.

ومن هذا المنطلق، أي في ظل اعتماد الشباب بشكل متزايد على المنصات الاجتماعية للحصول على المعلومة السياسية، لوحظ مع بداية بثّ جلسات البرلمان، سواء العمومية المخصصة لمناقشة البرنامج الحكومي أو تلك المتعلقة بتقديم مشروع قانون المالية، أن هذه الجلسات استرعت انتباه شريحة واسعة من المغاربة، الذين باتوا يتابعون مقتطفات منها عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

ففي وسائل النقل وأماكن الانتظار، تجد كثيرين يحملون هواتفهم ويتصفحون مقاطع فيديو قصيرة لمداخلات رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري، أو لمشاهد من السجالات بين النواب، أو لنقاشات تركز على مدى إتقان رئيسة الحكومة للغة العربية، فيما تتداول مقاطع أخرى على منصة «تيك توك» تتناول نقاشات حول «الصاك» أو استحضار الماضي الحزبي، بعيداً عن القضايا الجوهرية التي تمس انشغالات المغاربة وكرامتهم كالتشغيل والصحة والتعليم والسكن والقدرة الشرائية الملتهبة.

وفي الوقت الذي ينشغل فيه المواطن بهموم المعيشة وغلاء الأسعار، يجد نفسه أمام مشاهد للأخذ والرد بين ممثلي الأمة، خطابات شعبوية قائمة على الشخصنة وتبادل الاتهامات والتشكيك في الأحزاب ببعضها البعض، لقطات عابرة قد تشد انتباهه للحظات وتنسيه، ولو مؤقتاً، بعض هذه الهموم، قبل أن ينتهي به الأمر إلى التساؤل: هل هؤلاء هم من كانوا ينتظروننا التصويت عليهم؟ منشغلين بالتراشق فيما بينهم حول أمور سطحية بدل التركيز على الملفات التي تهمّنا؟

لكن من جانب آخر، يبدو أن علاقة المغاربة بالسياسة تحمل نوعاً من المفارقة؛ فرغم العزوف عن التصويت، فإن الاهتمام بالشأن السياسي لا يغيب عن حياتهم اليومية، في صورة تختزلها المقولة الشعبية «يخ منو وعيني فيه». ويتجلى ذلك بشكل لافت خلال الفترة الأخيرة، حيث باتت جلسات البرلمان تحظى بمتابعة وترقب كبيرين، ربما يفوقان، في بعض الأحيان، انتظار مواعيد مباريات كرة القدم.

من هنا، نجد أن الأرقام الواردة في الدراسات والأبحاث الميدانية والتقارير بشأن العزوف السياسي بالمغرب، لا تعكس بالضرورة الواقع بشكل كامل؛ فالمواطن الذي ابتعد عن صناديق الاقتراع لم يبتعد بالضرورة عن السياسة، بل ما زال يتابع تفاصيلها ويراقب نقاشات ممثليه، وإن كان هذا الاهتمام لا يُترجم بالضرورة إلى مشاركة انتخابية.

لكن ما لا تورده هذه التقارير بشكل جليّ هو حجم «الرغبة» وقياسها بالأرقام لدى شعب توّاق إلى مشهد سياسي يليق به ويحترم عقليته، فالشباب المغربي وجيل «زد»، رغم صغر سنّهم، يفهمون جيداً الأبعاد السياسية لما يجري على الساحة السياسية ببلدهم، ولديهم وعي بأن الخطاب المعتمد حالياً في مناقشات البرلمانيين لا يعدو أن يكون مجرد “أداة للإلهاء”، تُبعد الأنظار عن جوهر الملفات الثقيلة اجتماعيا واقتصاديا، التي تتطلب نواباً برلمانيين يتحلون بالمسؤولية الجادّة، من قبيل النائب أسامة باريك، الذي يرى فيه هؤلاء الشباب بصيص أمل، وصوتاً يدافع بقوة ناعمة عن الفئات الهشة التي تمثل النسبة الأكبر من المغاربة.

فبين العزوف عن العملية الانتخابية والرغبة في البقاء على اطلاع بكل جديد في المشهد السياسي، يظل المواطن المغربي تائهاً بين هذا وذاك، ولا يشغله سوى هدف بسيط، يتمثل في معرفة من يدافع عن حقوقه ويتحدث باسمه بعيداً عن السفسطائية داخل قبة الأمة، حتى وإن كان يعيش في نقطة نائية بمدينة أو إقليم بعيد. فهو حاضر غائب في المشهد السياسي، يتابع تفاصيله ولا يفوته شيء منها، رغم ابتعاده عن صناديق الاقتراع.

Exit mobile version