احمد البوحساني
تتجه الأنظار، اليوم الجمعة 30 أكتوبر 2026، إلى مجلس الأمن الدولي، الذي يرتقب أن يصوت على مشروع القرار الأمريكي بشأن الصحراء المغربية، في محطة أممية تكتسي أهمية بالغة بالنظر إلى مضامين المسودة الأخيرة، التي تكرس مبادرة الحكم الذاتي المغربية تحت السيادة الوطنية باعتبارها الإطار الأساسي للمفاوضات، وتفتح الباب أمام مراجعة استراتيجية لمهام بعثة الأمم المتحدة في الصحراء.
وتكشف النسخة الأخيرة من مشروع القرار، المعروفة بـ«النسخة الزرقاء»، عن توجه نحو تعزيز المسار السياسي القائم على المقترح المغربي، مع إدخال تعديلات على الصياغات الواردة في المسودة الأولية، بهدف تجاوز تحفظات بعض أعضاء مجلس الأمن، خاصة روسيا والصين، دون المساس بجوهر التوجه العام للمشروع.
الحكم الذاتي.. أساس المفاوضات المقبلة
في مقدمة أبرز مضامين المشروع، يبرز تكريس مبادرة الحكم الذاتي المغربية باعتبارها الإطار المرجعي للمفاوضات بين الأطراف المعنية، حيث تدعو المسودة إلى مواصلة المناقشات على أساس المقترح المغربي الموسع والمحدث، مع تشجيع الأطراف على الانخراط بشكل جدي وبناء في العملية السياسية.
وتشير الصياغة المعدلة إلى أن الحكم الذاتي الحقيقي تحت السيادة المغربية يمثل أحد الحلول الأكثر واقعية وقابلية للتطبيق، مع الحفاظ على المقترح المغربي باعتباره الأساس الذي ينبغي أن تستند إليه المفاوضات المقبلة.
ويأتي ذلك في سياق دولي يشهد تزايد الدعم لمبادرة الحكم الذاتي، باعتبارها مدخلاً لتسوية سياسية نهائية للنزاع الإقليمي حول الصحراء المغربية.
إعادة هيكلة المينورسو.. مراجعة المهام وحذف الإشارة إلى الاستفتاء
ومن بين أبرز التحولات التي تتضمنها المسودة، التوجه نحو إعادة تحديد طبيعة ومهام بعثة الأمم المتحدة في الصحراء، من خلال تمديد ولايتها إلى غاية 31 أكتوبر 2027، بالتوازي مع مراجعة استراتيجية شاملة لدورها المستقبلي.
وتتضمن الصياغة المقترحة تغيير الاسم الرسمي للبعثة، ابتداءً من فاتح نونبر 2026، من «بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية» إلى «بعثة الأمم المتحدة في الصحراء الغربية»، بما يعني حذف كلمة «الاستفتاء» من التسمية الرسمية.
كما تدعو المسودة الأمين العام للأمم المتحدة إلى إعداد مراجعة استراتيجية لمهام البعثة، بالتشاور مع الأطراف المعنية، على أن تشمل تحديد طبيعة الدور الذي يمكن أن تضطلع به مستقبلاً، في ضوء تطورات العملية السياسية.
وتشير المعطيات المتداولة بشأن المشروع إلى إمكانية إعادة توجيه مهام البعثة نحو دعم المسار السياسي وتدابير بناء الثقة، مع دراسة مستقبل مكونها العسكري وإمكانية تقليصه تدريجياً، بدل استمرار التركيز على خيار الاستفتاء.
توسيع دائرة التمثيلية.. إشراك مختلف المكونات الصحراوية
وتبرز المسودة أيضاً أهمية توسيع دائرة المشاورات المرتبطة بالحل السياسي، من خلال تشجيع التواصل مع مختلف المكونات الصحراوية، سواء داخل الأقاليم الجنوبية للمملكة أو بمخيمات تندوف أو ضمن الجاليات الصحراوية بالخارج.
ويعكس هذا التوجه رغبة في تعزيز شمولية العملية السياسية، وعدم حصرها في الأطراف التقليدية للنزاع، بما يتيح الاستماع إلى مختلف التعبيرات والمكونات الصحراوية المعنية بمستقبل المنطقة.
كما يفتح هذا التوجه المجال أمام مقاربة أكثر اتساعاً للمفاوضات، تقوم على إشراك مختلف الفاعلين الصحراويين في النقاش حول مبادرة الحكم الذاتي، باعتبارها إطاراً للحل السياسي المقترح.
تسجيل سكان مخيمات تندوف ضمن النقاط البارزة
وفي سياق متصل، تتضمن المسودة دعوة إلى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين من أجل استكمال عملية تسجيل سكان مخيمات تندوف خلال فترة زمنية محددة، مع التأكيد على احترام القانون الدولي وضمان حرية الحركة والوصول.
ويأتي هذا المطلب في إطار معالجة الجوانب الإنسانية المرتبطة بالنزاع، وتعزيز الشفافية بشأن المعطيات المتعلقة بسكان المخيمات.
دور المبعوث الأممي والولايات المتحدة في الدفع بالمسار السياسي
وتعيد المسودة التأكيد على أهمية الجهود التي يبذلها المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة، ستافان دي ميستورا، إلى جانب الدور الأمريكي في تسهيل المفاوضات بين الأطراف المعنية.
كما تتضمن إشارات إلى الجهود الرامية إلى تنظيم جولات جديدة من الحوار المباشر، بما في ذلك اللقاءات التي يجري التحضير لها في واشنطن ومدريد، في إطار البحث عن تسوية سياسية دائمة للنزاع.
وتؤكد الصياغات المتداولة ضرورة التوصل إلى حل سياسي عادل ودائم ومقبول من الأطراف، وفق مبادئ ميثاق الأمم المتحدة، مع استمرار الإشارة إلى مبدأ تقرير المصير ضمن الإطار السياسي المعتمد.
تعديلات على المسودة الأولية لتجاوز تحفظات أعضاء المجلس
وتفيد المعطيات المتداولة بأن النسخة الأخيرة من مشروع القرار شهدت تعديلات مقارنة بالمسودة الأولية، التي تضمنت مقترحات أكثر حدة بشأن إعادة هيكلة البعثة الأممية، بما في ذلك الانتقال التلقائي نحو بعثة سياسية وتقليص المكون العسكري وفق آجال ونسب محددة.
غير أن النسخة المعدلة اتجهت إلى تخفيف الطابع الآلي لهذه الإجراءات، مع الإبقاء على الدعوة إلى مراجعة استراتيجية شاملة لمهام البعثة، بما يسمح بتقييم مستقبلها في ضوء تطورات المسار السياسي.
كما تضمنت بعض التعديلات تخفيفاً للإشارات المباشرة إلى الدور الشخصي للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، مع الحفاظ على الإشادة بالجهود الدولية الرامية إلى الدفع نحو تسوية النزاع.
وبينما تترقب الأوساط السياسية والدبلوماسية مآل التصويت المرتقب، تبرز المسودة الأخيرة باعتبارها محطة جديدة في مسار تدبير ملف الصحراء المغربية داخل مجلس الأمن، من خلال تعزيز موقع مبادرة الحكم الذاتي في المفاوضات، بالتوازي مع مراجعة طبيعة الحضور الأممي بالمنطقة.
