الدار- خاص
دعا الإعلامي والباحث المغربي المحجوب داسع، زميل مركز الملك عبد الله بن عبد العزيز العالمي للحوار بين أتباع الأديان والثقافات «كايسيد»، الأربعاء الماضي بمدينة تطوان، إلى إحداث شبكة أورومتوسطية للإعلام، تسهم في تعزيز التنوع الديني بالمنطقة الأورومتوسطية.
وأكد خريج زمالة «الصحافة للحوار»، خلال مشاركته في منتدى حواري رفيع المستوى حول موضوع «دور التعددية الدينية في أوقات الأزمات متعددة الأبعاد: تعزيز التعايش في المنطقة الأورومتوسطية»، أن الإعلام الديني الحاضن للتنوع أصبح اليوم ضرورة مهنية ومجتمعية، وليس مجرد اختيار تحريري محض داخل المؤسسات الإعلامية.
وأبرز، في هذا السياق، أنه في عالم تتزايد فيه الأزمات والصراعات، وتتداخل فيه العوامل السياسية والدينية والثقافية والهوياتية، لم يعد الإعلام مجرد ناقل للأحداث، بل أصبح فاعلاً في تشكيل التصورات والمواقف، إذ يمكن أن يسهم إما في تأجيج الانقسامات أو في بناء جسور التواصل والتفاهم.
وأشار خريج المعهد العالي للإعلام والاتصال بالرباط، وعضو منتدى الإنترنت العالمي لمكافحة الإرهاب، إلى أن صحافة الحوار تمثل ممارسة صحفية مسؤولة تتيح تعدد الأصوات، وتقدم الاختلافات في سياقاتها الحقيقية، وتواجه الصور النمطية وخطابات الكراهية.
وأضاف أن المسؤولية الاجتماعية للإعلام تقتضي ألا يقتصر دوره على تغطية مبادرات الحوار والتعايش، بل أن يمنحها الحضور الذي تستحقه، وأن يبرز التجارب التي يتحول فيها الحوار بين الأديان والثقافات إلى تعاون عملي يخدم المجتمعات.
واعتبر زميل مركز «كايسيد» أن مسؤولية الإعلام تتزايد في ظل الطفرة الرقمية الراهنة؛ إذ لم يعد التحدي مقتصراً على مواجهة المعلومات المضللة وخطابات الكراهية والتطرف، بل أصبح يشمل أيضاً ضرورة إنتاج محتوى إعلامي بديل وموثوق يعزز الثقة والتفاهم والعيش المشترك.
وشدد المحجوب داسع على ضرورة الانتقال من الحوار بوصفه غاية في حد ذاته إلى اعتباره مدخلاً للعمل المشترك والمسؤولية الجماعية، من خلال إطلاق مبادرات عملية تجمع الفاعلين الدينيين والمدنيين حول قضايا إنسانية ومجتمعية مشتركة، من قبيل تعزيز التربية على المواطنة ومكافحة التضليل الرقمي وخطابات الكراهية.
وأوضح المتحدث ذاته أن الحوار، حين يتحول إلى ممارسة يومية متجذرة في المجتمعات المحلية، يصبح أكثر قدرة على الصمود أمام الأزمات، وأكثر إسهاماً في بناء السلام وترسيخ التعايش في الفضاء الأورومتوسطي.
وأضاف أن الجميع مدعو اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى بلورة سرديات تعترف بالتنوع الديني والثقافي باعتباره مصدراً غنياً، لا تهديداً للهوية. ويتطلب ذلك تجاوز الخطاب الذي يكتفي بالتأكيد على الاختلافات، نحو خطاب يبرز القيم المشتركة، من قبيل الكرامة الإنسانية والعدل والتضامن ونبذ العنف، مع احترام خصوصية كل دين وثقافة.
وسجل الإعلامي المغربي أن التوترات المرتبطة بالهوية لم تعد تنشأ داخل الفضاءات التقليدية فحسب، بل تتغذى أيضاً من المحتوى الرقمي المضلل وخطابات الكراهية والصور النمطية، مشيراً في هذا الصدد، إلى أهمية التعاون بين الفاعلين الدينيين والصحفيين والباحثين وصناع المحتوى، من أجل التحقق من المعلومات، وتطوير مناهج التربية الإعلامية والرقمية، وإنتاج محتوى مسؤول يواجه التحريض دون إعادة نشره أو تضخيمه.
وانعقد هذا المنتدى الحواري رفيع المستوى بمدينة تطوان، بتعاون وثيق بين مؤسسة آنا ليند ووزارة الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، وبدعم من جماعة تطوان، وذلك في إطار الاحتفاء بمدينة تطوان عاصمة للثقافة والحوار في منطقة البحر الأبيض المتوسط لسنة 2026.
وجمع المنتدى قيادات دينية وأكاديميين وممارسين وصناع سياسات، حيث انكب المشاركون، على مدى يومين، على بلورة حلول مبدئية وعملية للتحديات المشتركة، بما يتماشى مع مبادئ الملكية المشتركة والإبداع المشترك والمسؤولية المشتركة، خدمة للفضاء الأورومتوسطي.
وأكدت الورقة التقديمية للمنتدى أن احتضان مدينة تطوان لهذه المبادرة يوفر بيئة قوية ورمزية وعملية للحوار، ويندرج في إطار الاحتفاء بالحمامة البيضاء عاصمة للثقافة والحوار في منطقة البحر الأبيض المتوسط، باعتبارها مختبراً للتنمية بين الثقافات.
وأبرزت الورقة أن تراث المدينة وحاضرها يجسدان حواراً حياً بين الهويات الأندلسية والأمازيغية والعربية واليهودية والمتوسطية، كما يعكسان إمكانات الحوار بين الثقافات والأديان في ردم الهوة بين المجتمعات وبناء مستقبل مشترك.
