Site icon موقع الدار

الخميس الأسود في فرنسا: مواجهة انفجار اجتماعي جديد.. إضراب واسع ومظاهرات بالآلاف

الدار/ غيثة حفياني

 

تتجه فرنسا إلى مواجهة اجتماعية جديدة، بعدما شهدت الخميس 5 نونبر 2026 تعبئة نقابية واحتجاجية واسعة، شارك فيها موظفون وعمال وطلبة وتلاميذ، في تحرك وطني رفع مطالب تحسين الأجور والدفاع عن القدرة الشرائية، والاحتجاج على تراجع الخدمات العمومية وتزايد الضغوط المعيشية.

وتأتي هذه التعبئة في أعقاب أسابيع من التوتر الاجتماعي الذي بدأ باحتجاجات في المؤسسات التعليمية والجامعات، قبل أن يتوسع تدريجياً ليشمل قطاعات مهنية مختلفة، ويتحول إلى حراك تتداخل فيه المطالب الاقتصادية والاجتماعية مع الاعتراض على السياسات الحكومية وطريقة تعامل الأجهزة الأمنية مع المتظاهرين.

وحشدت النقابات العمالية الرئيسية صفوفها لإنجاح هذه المحطة، بمشاركة الكونفدرالية العامة للشغل والكونفدرالية الفرنسية الديمقراطية للشغل وقوة العمال، إلى جانب اتحادات نقابية أخرى، في محاولة لتوحيد الاحتجاجات داخل القطاعين العام والخاص، وتحويلها إلى رسالة ضغط مباشرة على الحكومة وأرباب العمل.

وتتصدر الزيادة في الأجور ومراجعة الحد الأدنى للأجور مطالب المحتجين، إلى جانب فتح مفاوضات بشأن التعويضات المهنية، وتحسين ظروف العمل، والحفاظ على مناصب الشغل، ووقف تراجع الموارد المخصصة للتعليم والصحة وباقي المرافق العمومية. كما تطالب النقابات بإجراءات ضريبية أكثر إنصافاً، وبمراجعة بعض التدابير الواردة في مشاريع الميزانية التي ترى أنها تزيد من الأعباء الواقعة على الفئات محدودة ومتوسطة الدخل.

وتعكس هذه المطالب اتساع الفجوة بين المداخيل وتكاليف الحياة اليومية، خصوصاً في ظل الضغوط التي تواجهها الأسر الفرنسية في مجالات السكن والنقل والطاقة والمواد الاستهلاكية، وهو ما جعل مسألة القدرة على العيش من الأجر محوراً مركزياً في الاحتجاجات الحالية.

ووفق ما أوردته صحيفة «لوموند»، فإن التعبئة لم تعد مقتصرة على النقابات التقليدية، بل امتدت إلى الطلبة والتلاميذ ومجموعات من حركة السترات الصفراء، في محاولة لبناء جبهة احتجاجية مشتركة تتجاوز الانتماءات المهنية والتنظيمية. وقد أحصت النقابات نحو 244 تجمعاً ومسيرة في مختلف أنحاء البلاد، فيما توقعت السلطات مشاركة ما بين 500 ألف و700 ألف شخص خارج باريس، إضافة إلى عشرات الآلاف في العاصمة.

وفي مواجهة هذا التصعيد، رفعت السلطات الفرنسية درجة التأهب الأمني، مع تعبئة نحو 70 ألف شرطي ودركي لتأمين المظاهرات في مختلف المناطق، تحسباً لتكرار أعمال العنف والتخريب التي رافقت احتجاجات 17 أكتوبر الماضي، وأثارت انتقادات واسعة بشأن تدبير السلطات للأزمة.

وأكدت الحكومة أن هدف الانتشار الأمني هو حماية المتظاهرين والممتلكات العامة والخاصة، ومنع انزلاق المسيرات إلى مواجهات، بينما حذرت منظمات حقوقية ونقابية من أن الإجراءات الأمنية المشددة والقيود المفروضة على بعض التحركات قد تؤدي إلى مزيد من التوتر بدل احتواء الاحتقان.

وعلى مستوى القطاعات الحيوية، امتدت دعوات الإضراب إلى التعليم والنقل والسكك الحديدية والطاقة والصحة، حيث توقعت السلطات مشاركة 17.54 في المائة من مدرسي التعليم الابتدائي العمومي في الإضراب، فيما أعلنت النقابات العاملة بالسكك الحديدية المشاركة في التحرك، مع تسجيل اضطرابات في بعض الخدمات، دون توقف شامل لحركة النقل.

كما انخرطت مجموعات طلابية في الاحتجاجات، خصوصاً في باريس ومرسيليا ومدن أخرى، للمطالبة بتحسين ظروف الدراسة وتوفير الإمكانيات اللازمة للمؤسسات التعليمية، إلى جانب التعبير عن رفضها لما تعتبره تضييقاً على الحريات الاحتجاجية.

وتجد حكومة سيباستيان لوكورنو نفسها أمام مطالب اجتماعية متراكمة، في وقت يقترب فيه الاستحقاق الرئاسي الفرنسي المقرر في ماي 2027، ما يضفي على الأزمة أبعاداً سياسية إضافية، ويجعل تداعياتها حاضرة بقوة في النقاش العام حول مستقبل السياسات الاقتصادية والاجتماعية للبلاد.

وكانت الحكومة قد دخلت في اتصالات مع ممثلي النقابات خلال الأسابيع الماضية، غير أن هذه اللقاءات لم تنجح في تبديد الخلافات، خصوصاً في ما يتعلق بمستوى الزيادات المطلوبة في الأجور، وتجميد بعض التعويضات، ومستقبل الخدمات العمومية. وتطالب الكونفدرالية العامة للشغل بزيادة الحد الأدنى للأجور بنسبة 10 في المائة، بينما تدعو الكونفدرالية الفرنسية الديمقراطية للشغل إلى زيادة صافية قدرها 100 يورو، في حين تطرح الحكومة إمكانية اتخاذ إجراءات لتحريك الأجور، دون أن تكون قد قدمت، وفق المعطيات المنشورة، حلاً شاملاً يرضي مختلف الأطراف.

ولا تتوقف المخاوف عند حدود يوم الإضراب، إذ تتجه الأنظار إلى إمكانية استمرار الاحتجاجات خلال الأيام المقبلة، بعدما برزت دعوات إلى مواصلة التحركات يوم الجمعة وتنظيم جولة جديدة من المظاهرات السبت 7 نونبر، وهو ما قد يطيل أمد المواجهة الاجتماعية ويزيد الضغوط على المؤسسات الحكومية.

وتكشف التطورات الفرنسية أن الأزمة تجاوزت مجرد خلاف حول الزيادات في الأجور، لتطرح أسئلة أعمق بشأن العلاقة بين الدولة والمجتمع، وحدود قدرة السياسات العمومية على الاستجابة للتحولات الاقتصادية والاجتماعية، في وقت تتزايد فيه مطالب المواطنين بالحفاظ على مستوى معيشي يضمن الحد الأدنى من الاستقرار.

وبين شوارع تعود إلى الاحتجاج، ونقابات تصر على انتزاع تنازلات اجتماعية، وحكومة تعزز حضورها الأمني لتفادي انفلات الوضع، تبدو فرنسا أمام اختبار جديد لا يتعلق فقط بقدرتها على تأمين المظاهرات، بل بمدى استعدادها لمعالجة الأسباب التي تدفع آلاف المواطنين إلى النزول إلى الشارع.

فالأمن قد يضبط إيقاع الاحتجاجات، لكنه لا يستطيع بمفرده معالجة غلاء المعيشة أو تعويض ضعف الأجور أو استعادة الثقة. ويبقى التحدي الحقيقي أمام الحكومة الفرنسية هو الانتقال من إدارة الأزمة في الشارع إلى معالجة جذورها الاقتصادية والاجتماعية، قبل أن تتحول موجة الغضب الحالية إلى أزمة طويلة الأمد يصعب احتواؤها.

Exit mobile version