الدار/ نعيمة اخزان
يشكل «سوق المغرب» بالعاصمة الموريتانية نواكشوط أكثر من مجرد فضاء تجاري لتسويق الخضر والفواكه، إذ تحول إلى مركز أساسي لتزويد الأسواق الموريتانية بالمنتجات الفلاحية المغربية، التي تجد طريقها يوميا إلى موائد آلاف الأسر، في تجسيد واضح للدور الذي يضطلع به الفلاح المغربي في دعم الأمن الغذائي لجارته الجنوبية، والمساهمة في استقرار تموينها بالمواد الغذائية الأساسية.
وتبرز أهمية هذا السوق بشكل أكبر في ظل أزمة نقص الطماطم والبطاطس التي شهدتها الأسواق الموريتانية خلال الفترة الأخيرة، وما رافقها من ارتفاع ملحوظ في الأسعار وتراجع الكميات المعروضة، الأمر الذي أعاد إلى الواجهة حجم اعتماد موريتانيا على الإمدادات الفلاحية القادمة من المغرب، ومدى ارتباط استقرار أسواقها بانتظام حركة الشاحنات المغربية.
وتكشف الأرقام التجارية حجم هذا الارتباط، إذ استوردت موريتانيا خلال سنة 2024 ما مجموعه 33.4 مليون كيلوغرام من الطماطم المغربية، بقيمة تجاوزت 7.59 ملايين دولار، وفق بيانات التجارة الدولية للأمم المتحدة المنشورة عبر البنك الدولي. وخلال سنة 2025، ارتفعت الكميات المستوردة إلى حوالي 34.42 مليون كيلوغرام، بقيمة بلغت نحو 9.02 ملايين دولار، من أصل 34.54 مليون كيلوغرام استوردتها موريتانيا من مختلف الأسواق، ما يعني أن حصة المغرب تجاوزت 99 في المائة من واردات البلاد من الطماطم الطازجة وفق هذه البيانات.
وتعكس هذه الأرقام المكانة المحورية التي تحتلها المنتجات المغربية في تموين السوق الموريتانية، خصوصا أن الطماطم تعد من المواد الأساسية في الاستهلاك اليومي للأسر، كما أن أي اضطراب في تدفقها ينعكس بسرعة على الأسعار والقدرة الشرائية للمواطنين.
وقد تجلت هذه الحقيقة خلال أكتوبر 2026، عندما شهدت نواكشوط أزمة في التزود بالطماطم، حيث وصل سعر الكيلوغرام الواحد إلى 3500 أوقية قديمة في سوق المغرب، وفق معطيات ميدانية نشرتها وسائل إعلام موريتانية، وسط تراجع الكميات المعروضة وصعوبة حصول التجار على هذه المادة الأساسية. كما تحدثت تقارير إعلامية عن ارتفاع سعر الكيلوغرام إلى ما بين 300 و400 أوقية جديدة، مقابل 80 إلى 100 أوقية في الظروف العادية، في مؤشر على حجم الاضطراب الذي أصاب السوق.
ولا يقتصر الحضور المغربي على الطماطم، بل يمتد إلى البطاطس والجزر واللفت والكرنب والقرنبيط والبصل والثوم ومختلف أنواع الخضر والفواكه التي تشكل جزءا أساسيا من الاستهلاك اليومي في موريتانيا. وتظهر بيانات سنة 2024 أن صادرات الخضر المغربية إلى موريتانيا بلغت نحو 41.3 مليون دولار، فيما سجلت البطاطس الطازجة وحدها واردات موريتانية من المغرب بقيمة تقارب 1.52 مليون دولار.
وخلال سنة 2025، استوردت موريتانيا نحو 4.29 ملايين كيلوغرام من البطاطس المغربية، بقيمة تجاوزت 1.1 مليون دولار، إلى جانب واردات من أسواق أخرى، وهو ما يؤكد حضور المنتج المغربي ضمن منظومة التموين الغذائي الموريتانية، رغم تعدد مصادر الاستيراد.
وعلى مستوى النشاط التجاري، تحولت «سوق المغرب» إلى نقطة توزيع رئيسية تتجاوز أهميتها العاصمة نواكشوط، إذ سبق أن تحدث أحد كبار مستوردي الخضر والفواكه بالسوق، في تصريح نقلته وكالة المغرب العربي للأنباء، عن وصول ما لا يقل عن 30 شاحنة كبيرة أسبوعيا، محملة بما يتراوح بين 300 و400 طن من المنتجات المغربية. وإذا استمر هذا الإيقاع طوال السنة، فإن الأمر يتعلق بكميات سنوية تقديرية تتراوح بين 15.6 ألفا و20.8 ألف طن، فضلا عن فرص الشغل التي يوفرها هذا النشاط في مجالات النقل والتفريغ والتخزين والتوزيع والتجارة.
وخلف هذه الحركة التجارية المتواصلة تقف منظومة فلاحية مغربية واسعة، تضم المنتجين والعمال والتعاونيات والناقلين والمصدرين، الذين يساهمون في إيصال المنتجات الطازجة إلى المستهلك الموريتاني رغم المسافات الطويلة والتحديات المناخية واللوجستية. وهو ما يجعل مساهمة الفلاح المغربي تتجاوز مجرد تصريف الإنتاج نحو الخارج، لتصبح جزءا من منظومة الأمن الغذائي في موريتانيا.
وتكشف أزمة الطماطم الأخيرة أن العلاقة بين الإنتاج الفلاحي المغربي واستقرار الأسواق الموريتانية ليست علاقة تجارية عادية، بل ارتباط مباشر تؤكده سرعة انعكاس أي تراجع في الصادرات على وفرة المواد الأساسية وأسعارها. فقد ربطت تقارير إعلامية موريتانية ومغربية موجة الغلاء بتعليق مؤقت لصادرات الطماطم المغربية نحو الأسواق الإفريقية، قبل الحديث عن اتصالات ومفاوضات مهنية لإعادة الإمدادات إلى مستوياتها المعتادة.
وفي مقابل هذه المساهمة المغربية في تموين السوق الموريتانية، تبرز مفارقة أخرى تتعلق بإعادة توجيه جزء من الخضر والفواكه المغربية التي تدخل موريتانيا نحو أسواق خارجية، من بينها الأسواق الجزائرية، خصوصا مناطق تندوف والجنوب الغربي الجزائري. فقد تحدثت تقارير إعلامية مغربية خلال مارس 2026 عن عمليات مراقبة جمركية موريتانية استهدفت شاحنات ومركبات محملة بكميات من الخضر المغربية، بينها الطماطم والبصل والبطاطس، يشتبه في إعادة توجيه بعضها نحو تلك المناطق، خلافا للوجهة التجارية المعلنة.
وتطرح هذه الممارسات، في حال ثبوتها، تساؤلات حول مدى استفادة السوق الموريتانية من كامل الكميات المستوردة باسمها، خاصة في فترات النقص وارتفاع الأسعار، كما تبرز أهمية تشديد المراقبة على مسارات الشحنات والوجهة النهائية للمنتجات، تفاديا لأي استغلال للفوارق التجارية أو تحويل للسلع المخصصة لتلبية حاجيات المستهلك الموريتاني.
وتكشف هذه المعطيات أن «سوق المغرب» في نواكشوط أصبح نموذجا ملموسا للتكامل الاقتصادي بين المغرب وموريتانيا، حيث لا تقتصر العلاقة على المبادلات التجارية التقليدية، بل تمتد إلى توفير المواد الغذائية الأساسية وخلق فرص الشغل وتنشيط قطاعات النقل والتوزيع والتجارة.
كما تؤكد أن الفلاح المغربي يؤدي دورا اقتصاديا واجتماعيا يتجاوز الحدود الوطنية، من خلال مساهمته في توفير الخضر والفواكه لملايين المستهلكين، وتعزيز استقرار سلاسل الإمداد في الأسواق الإفريقية المجاورة. وقد أظهرت أزمة الطماطم أن انتظام الصادرات المغربية يشكل عاملا أساسيا في توازن السوق الموريتانية، وأن استمرارية هذا التعاون تمثل مصلحة مشتركة للبلدين.
وهكذا، فإن حضور المنتجات المغربية في نواكشوط ليس مجرد قصة نجاح تجاري، بل صورة من صور التضامن الاقتصادي والتكامل الإقليمي، ودليل على أن الفلاحة المغربية أصبحت رافعة مهمة للأمن الغذائي في المنطقة، بفضل جهود المنتج المغربي الذي يساهم بإنتاجه وعمله في تغذية أسواق تتجاوز حدود المملكة.
