طنجة المتوسط يفتح ممراً بحرياً جديداً نحو الصين.. «هاباغ لويد» تعزز الربط المباشر مع الموانئ الصينية وتكرّس موقع المغرب بوابةً للتجارة العالمية

الدار/ إيمان العلوي
أعلنت المجموعة الألمانية العملاقة للنقل البحري «هاباغ لويد» (Hapag-Lloyd) عن إطلاق خدمة ملاحية جديدة تربط عدداً من الموانئ الصينية بميناء طنجة المتوسط، في خطوة تحمل أبعاداً اقتصادية ولوجستية مهمة، وتفتح آفاقاً إضافية أمام المبادلات التجارية بين المملكة والصين.

ويأتي هذا المستجد في سياق التحولات التي تعرفها شبكات النقل البحري العالمية، حيث تسعى كبريات شركات الشحن إلى تطوير مسارات أكثر كفاءة وربط المراكز الصناعية والتجارية الكبرى بموانئ استراتيجية قادرة على استقبال وتوزيع التدفقات المتزايدة للبضائع.
ووفق البرنامج الملاحي الرسمي الذي نشرته هاباغ لويد في 19 أكتوبر 2026، تحمل الخدمة الجديدة اسم «Asia South Europe 5» واختصارها «SE5»، وتندرج ضمن التعاون البحري بين هاباغ لويد ومجموعة «ميرسك» الدنماركية، المعروفة باسم «Gemini Cooperation».

وتربط هذه الخدمة ميناء شنغهاي وميناء شيامن بالصين بميناء طنجة المتوسط، مروراً بميناء تانجونغ بيليباس الماليزي، وقناة السويس، وميناء الجزيرة الخضراء الإسباني، قبل الوصول إلى الميناء المغربي، بما يوفر مساراً منتظماً لنقل الحاويات بين المراكز الصناعية الآسيوية والواجهة المتوسطية للمملكة.
وتكمن الأهمية الكبرى لهذا الخط في إتاحة نقل الحاويات على المسار البحري المحدد دون الحاجة إلى تفريغها من السفينة وإعادة تحميلها على سفينة أخرى خلال الرحلة، الأمر الذي من شأنه تبسيط عمليات النقل وتقليص مراحل المناولة الوسيطة، والحد من المخاطر المرتبطة بتأخر الشحنات أو سوء تدبيرها أثناء عمليات إعادة الشحن.

ووفق البرنامج المنشور، حُدد يوم 22 نونبر 2026 موعداً لوصول السفينة «Maersk Edirne»، ضمن الرحلة رقم 647W، إلى ميناء شنغهاي في بداية دورانها الملاحي. ولم تحدد الشركة، في الإعلان المشار إليه، موعد أول وصول لها إلى طنجة المتوسط.
وتتجاوز أهمية هذه الخطوة مجرد إضافة خدمة بحرية جديدة، بالنظر إلى انعكاساتها المحتملة على تنافسية المقاولات المغربية، خصوصاً العاملة في قطاعات السيارات والصناعات الميكانيكية والإلكترونية والتجهيزات الصناعية والمواد الأولية، فضلاً عن الشركات المنخرطة في مشاريع البنية التحتية والطاقة والصناعة.
فالمغرب، الذي أصبح خلال السنوات الأخيرة وجهة متنامية للاستثمارات الصناعية الدولية، يحتاج إلى شبكات نقل بحري قادرة على تأمين تدفق المعدات والمكونات والمواد الأولية بانتظام، وربط وحداته الإنتاجية بمصادر التوريد والأسواق الخارجية. ومن هذا المنطلق، يشكل تعزيز الربط مع الموانئ الصينية عاملاً إضافياً لدعم جاذبية المملكة لدى المستثمرين والشركات الباحثة عن مواقع إنتاج وتوزيع قريبة من أوروبا وإفريقيا.
ويحتل ميناء طنجة المتوسط موقعاً محورياً في هذه المعادلة، بعدما تحول إلى أحد أبرز المراكز العالمية لمعالجة الحاويات، مستفيداً من موقعه الجغرافي عند مضيق جبل طارق، ومن بنيته التحتية المتطورة وقدراته الصناعية واللوجستية، فضلاً عن ارتباطه بشبكات النقل البري والبحري التي تسمح بتوزيع البضائع نحو مختلف الوجهات.
ولا تنحصر القيمة الاستراتيجية للميناء في خدمة الاقتصاد الوطني، بل تمتد إلى تعزيز موقع المغرب كمنصة إقليمية للتجارة وإعادة التوزيع، تربط بين الأسواق الآسيوية والأوروبية والإفريقية، وتمنح الشركات الدولية فرصة الاستفادة من موقع المملكة في قلب الممرات التجارية الكبرى.
كما يأتي إطلاق الخدمة الجديدة في وقت تتوسع فيه العلاقات الاقتصادية المغربية الصينية، مع تنامي الاهتمام الصيني بالفرص الاستثمارية التي يوفرها المغرب في قطاعات صناعة السيارات والبطاريات والطاقة المتجددة والبنية التحتية، إلى جانب آفاق التعاون التجاري والسياحي والتكنولوجي.
ومن شأن تحسين الربط البحري أن يدعم هذه الدينامية، من خلال توفير خيارات إضافية أمام المستوردين والمصدرين، وتسهيل تخطيط عمليات التوريد، وتحسين إمكانية التنسيق بين وصول الشحنات والبرامج الإنتاجية للمقاولات.
وفي المقابل، تكشف التعديلات التي أدخلتها هاباغ لويد وميرسك على بعض خدماتهما البحرية عن إعادة هيكلة أوسع لشبكتهما الدولية، إذ يتزامن إطلاق الخدمة الجديدة مع تغييرات تشمل حذف ميناء طنجة المتوسط من بعض الخطوط السابقة، من بينها NE1 وSE2، مع استمرار إدراجه ضمن خدمات أخرى. وهو ما يؤكد أن الأمر يتعلق بإعادة توزيع للمسارات البحرية، وليس بمجرد توسيع شامل لجميع الخدمات المرتبطة بالميناء.
وبين رهانات التجارة الدولية وتنافسية الموانئ، يضيف هذا الخط البحري فرصة جديدة للمغرب لتعزيز علاقاته الاقتصادية مع الصين، وترسيخ مكانته باعتباره حلقة وصل استراتيجية بين آسيا وأوروبا وإفريقيا.
إن الرهان اليوم لا يقتصر على استقطاب المزيد من السفن والخطوط البحرية، بل يتمثل أيضاً في تحويل هذه المزايا اللوجستية إلى قيمة اقتصادية وصناعية مضافة، عبر جذب الاستثمارات، وتطوير الصادرات، وتعزيز اندماج المقاولات المغربية في سلاسل الإنتاج والتوريد العالمية.
وبذلك، يواصل طنجة المتوسط تعزيز موقعه في قلب التحولات التي تعرفها التجارة البحرية الدولية، مؤكداً أن المغرب لم يعد مجرد نقطة عبور للبضائع، بل أصبح منصة استراتيجية تتنافس الشركات العالمية على ربط شبكاتها التجارية بها.






