غير مصنف

“أبيض أسود”.. محمد بنيس يكتب لـ”الدار”: فرجة الاغتراب

محمد بنيس

.. عندما تأهل المغرب لكأس العالم 1970.. كانت الأولى وكانت تاريخية كبيرة.. كان الفراغ رياضيا يسيطر.. ولكن رجال المغرب حلقوا للعالمية.. من دون محترف واحد.. ولو تأخر الزمن وجيء بالعمالقة من أوروبا.. العربي بنمبارك وعبد الرحمن بلمحجوب وحسن أقصبي.. وأكملوا العقد مع الحارس علال، الذي دوخ الألمان ومع السليماني والمعروفي والزئبق حمان.. وغيرهم لانفجرت في مكسيكو قنابل الكرة التلقائية.. الكرة التي كانت ترقص وتغني بين الأقدام..

كان المدرب آنذاك اليوغسلافي فيدينيك.. كان قد أخذ لاعبي المنتخب للتدرب مع الكرة عبر الحائط.. غضب البعض.. ورفض البعض.. وامتثلوا أخيرا على مضض.. لقد كانوا يتنفسون ويأكلون ويشربون كرة قدم.. فنيات ومواهب تلقائية فوق العادة.. فكيف يجرهم هذا المدرب للحائط..

.. كنت أعرف أن مبتدئي كرة المضرب هم من يتدربون على الحائط.. وعرفت بعدها أن العديد من كبريات الأندية الأوروبية التجأت لذلك.. وكان النجم المستحيل زين الدين زيدان في نادي "كان" الفرنسي عندما ينتهي من تداريبه اليومية يتوجه ولوحده مباشرة ليتمرن على الحائط ساعة كاملة.. وكان تفسير ومبرر هذا التدريب تقنيا محضا.. وهي عودة الكرة وتعدد الاتجاهات.. وتوقيت عودتها وكيفية السيطرة عليها وفق اتجاهاتها وسرعتها.. ولن أضيف شيئا سوى أن زيدان أصبح من أعظم وأرقى لاعبي الكون..

بين 70 و86 مرت فترة صغيرة جدا لست (6) سنوات.. تغير فيها جل اللاعبين وجاء مدرب روماني اسمه مارداريسكو.. وفاجأ الجميع وأحرز كأس أمم أفريقيا عام 76.. الأولى واليتيمة للمغرب وكنت قد قرأت ملفه المقدم لجامعة الكرة وأنه سيعتمد شاكلة 4 – 4 – 2، وكانت آنذاك خطة حديثة وفعالة.. مازالت حتى الآن تمارس ضمن العديد من الأندية والمنتخبات في العالم.. تضيف للوسط.. تنقص من الهجوم.. تضع مساحات بين الخطوط.. تقصرها.. تطولها.. أشياء واشياء..

.. وذهب المغرب لميكسيكو 86 وهناك ظهر بعض المحترفين في أوروبا.. كان كريمو والحداوي لكن مع باقة من الديناصورات مثل الزاكي وخليفة واللمريس وخيري والبياز والظلمي وبودربالة والتيمومي وغيرهم.. أخذت الأندية الأوروبية جلهم للاحتراف..

طبعا كان قبل ذلك بعض المحترفين يلعبون للمغرب أحيانا..

كانت المسافة تقصر بين كأس ومونديال.. آخرها فرنسا 98 ولم يتأهل المغرب بعدها إلا بعد 20 عاما لمونديال روسيا 2018.. وبعد أن أصبحت التشكيلة كلها من المحترفين المغاربة في الخارج..

وخلال هذه الحقبة المهولة.. خلال عشرين سنة.. ماذا هيأت جامعة الكرة.. جيل.. وراءه جيل.. ولم تنجب الكرة المغربية محليا.. لا لاعبين يجذبون التميز.. بل تحول أنصاف اللاعبين إما للاحتراف في أندية القسم الثاني الأوروبية أو لتحسين الوضعية المادية بالخليج العربي.. تحول بعدها المنتخب إلى خصوصية أوروبية.. وبعض الذين انتقلوا من أوروبا للخليج.. أي أن كرتنا داخل المغرب لا تنتج شيئا.. أرحام ثكلى أو عاقر.. وأصبح المغاربة يتابعون مبدعيهم بالمحوّل.. بالرالانج.. كلهم هناك وأصبح المغربي يتابع كل البطولات الأوروبية والخليجية أيضا.. يتابعونهم في ألمانيا وتركيا وبلجيكا وهولندا وفرنسا وإسبانيا والبرتغال والإنجليز أحيانا.. ودول الخليج خصوصا السعودية.. ولو جلست في مقهى.. أي مقهى.. ستجد شبابا ورجالا وكهولا وحتى الأطفال يحفظون كل الأسماء، أجانب ومغاربة، وكل تفاصيل البطولات والكؤوس ويتحدثون عن تدابير المدربين وحتى رواتبهم.. وأصبحنا غرباء التفرج.. منتخب بلدنا مشتت في كل بقاع العالم.. ويحق السؤال.. ماذا يفعل هؤلاء هنا.. ماذا يخطط علماء الكرة عندنا.. يحدثنا رئيس جامعة الكرة عن تدابير الأندية الشركات.. وأسقف المصاريف.. والكرة الحقيقية هناك.. يمارسها أولادنا هناك.. فماذا هنا.. ماذا يجري هنا..

أتابع منتخب بلدي المغرب بكل جوارحي بكل نبضة من تحرك دمي.. ولو وجد داخل هذا المنتخب بعضا ممن نعرفهم هنا ونتابعهم هنا.. لَنَما الافتخار.. وتضخم الاعتزاز.. ولو كان لاعبو المغرب في أوروبا نعرف أنهم ذهبوا كضيوف التميز للاحتراف بعد أن شاهدناهم هنا واستمتعنا معهم هنا لما داهمني هذا الشعور الغريب.. ولكن الفترة ما بين 1998 و2018.. حقبة تبدو لا عمل فيها ولا إنتاج.. وكأننا كنا نمارس كرة الأمسيات و"القصارى"، حتى هذه كانت في ما سبق تحقق المتعة والفرجة والاحتفالية..

جامعة الكرة تجتهد.. شكرا.. الأندية تجتهد.. شكرا.. الأندية الشركات على الأبواب.. شكرا.. -الفار – وصل.. شكرا.. كل هذا ولا توجد كرة ولا كوايرية.. أعتذر.. لن أقول شكرا.. سأقول آسف.. فهؤلاء يجب أن يحاسبوا.. ففي زمن التطور.. وزمن الوقت المسعور.. زمن الشعوب لا يهدر…

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

1 × 4 =

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق