أخبار الدارسلايدرغير مصنف
الناظور غرب المتوسط.. ركيزة جديدة للأمن الطاقي وسيادة الغاز بالمغرب

الدار/ سارة الوكيلي
لم يعد مشروع ميناء الناظور غرب المتوسط مجرد ورش بنيوي ضخم يضاف إلى خارطة الموانئ الوطنية، بل تحول إلى عنوان بارز لمرحلة جديدة في مسار بناء السيادة الاقتصادية والطاقية للمغرب. فهذا المشروع يختزل رؤية ملكية بعيدة المدى، انطلقت منذ مطلع الألفية الثالثة، وراكمت اختيارات استراتيجية جعلت من البنيات التحتية رافعة مركزية لإعادة تموقع المملكة داخل منظومة التجارة العالمية وموازين الطاقة في محيط دولي شديد التقلب.
الموقع الجغرافي للميناء يمنحه قيمة استراتيجية استثنائية، إذ يوجد على مسافة تناهز 130 ميلاً بحرياً من مضيق جبل طارق، أحد أكثر الممرات البحرية حيوية في العالم. هذا القرب يحول الناظور غرب المتوسط إلى نقطة ارتكاز محورية على الطرق الكبرى للتجارة الدولية، وقادراً على لعب دور تكاملي مع ميناء طنجة المتوسط، بما يعزز حضور المغرب كمنصة لوجستية إقليمية ذات إشعاع قاري ودولي، وليس فقط كنقطة عبور عابرة.
وتعكس الكلفة الاستثمارية للمشروع، التي تناهز 51 مليار درهم من استثمارات عمومية وخاصة، حجم الرهان الموضوع عليه. فالميناء صُمم كبنية متكاملة ذات طاقة استيعابية تصل إلى 5 ملايين حاوية و35 مليون طن سنوياً، مع آفاق توسع مستقبلية مهمة، ما يمنحه قابلية التطور والاستدامة ويؤهله لمواكبة التحولات المتسارعة في أنماط التجارة والنقل البحري العالمي.
اقتصادياً، يشكل الناظور غرب المتوسط رافعة قوية لربط الاقتصاد المغربي بشكل أعمق بسلاسل القيمة العالمية. فالشراكات مع فاعلين دوليين كبار في مجالات النقل واللوجستيك والصناعة تضمن اندماجاً فعالاً في الشبكات العالمية، بينما تمثل المنطقة الصناعية واللوجستية المحاذية للميناء، الممتدة على حوالي 700 هكتار، فضاءً استراتيجياً لإدماج قيمة مضافة أعلى داخل النسيج الاقتصادي الوطني، مدعومة بالتزامات استثمارية مؤكدة تعكس ثقة المستثمرين في المشروع وآفاقه.
في البعد الطاقي، يبرز الميناء كدعامة أساسية في مسار تعزيز الأمن والسيادة الطاقية للمملكة. فاحتضانه لمحطة الغاز الطبيعي المسال بطاقة سنوية تصل إلى 5 مليارات متر مكعب، يفتح أمام المغرب إمكانية الولوج المباشر إلى الأسواق العالمية، ويعزز تنويع مصادر التزود بالطاقة. كما يندرج اعتماد الغاز الطبيعي كمصدر انتقالي ضمن الاستراتيجية الوطنية لإزالة الكربون بشكل تدريجي، مع ضمان استقرار الإمدادات وتعويض عدم انتظام الطاقات المتجددة، انسجاماً مع التوجيهات الملكية المعلنة منذ سنة 2021 بشأن تعزيز المخزون الاستراتيجي الوطني من المواد الطاقية.
وعلى المستوى المجالي والاجتماعي، يضع المشروع التنمية المتوازنة في صلب أهدافه، من خلال خلق فرص شغل مباشرة وغير مباشرة، وتوفير آفاق جديدة للتكوين والإدماج المهني لفائدة الشباب، خاصة على مستوى الجهة الشرقية. كما يشكل برنامج تطوير البنيات التحتية الطرقية والسككية المرتبطة بالميناء محركاً أساسياً لتنشيط النسيج الاقتصادي الجهوي، مع انعكاسات إيجابية على مختلف الأنشطة المحلية وتحسن ملموس في ظروف عيش الساكنة.
وتؤكد الاستثمارات الخاصة المؤكدة، المقدرة بحوالي 20 مليار درهم، أن الناظور غرب المتوسط ليس مشروعاً مؤجلاً أو رهين المستقبل، بل دينامية اقتصادية حقيقية ذات أثر اجتماعي مباشر. بذلك، يرسخ الميناء موقعه كمشروع دولة بامتياز، يجمع بين منطق الاستباق، وتعزيز السيادة، وتحقيق التنمية، ويضع المغرب في موقع متقدم داخل خريطة الاقتصاد العالمي، مع مكاسب ملموسة للمواطن على مستوى الشغل، والاستقرار الطاقي، والتنمية المجالية.






