الحكم الذاتي في أفق ما بعد مدريد، من لحظة التفاوض إلى لحظة التمكين.

لم يعد الحديث عن الحكم الذاتي في الأقاليم الجنوبية نقاش سياسي أو شعار دبلوماسي يرفع في مختلف المحافل الدولية، بل أضحى مشروع تنزيل يدخل مرحلة التدقيق القانوني والتقني، في سياق إقليمي ودولي متحرك أعادت مخرجات لقاء مدريد صياغة ملامحه. ذلك اللقاء الذي جمع الجزائر وموريتانيا وجبهة بوليساريو تحت رعاية أمريكية مباشرة، لم يكن مجرد محطة بروتوكولية بل مؤشر على إنتقال النزاع من دائرة إدارة الجمود إلى مربع إعادة ترتيب الأوراق، حيث باتت المقاربات الواقعية تحظى بأولوية على خطابات الإستنزاف.
تحول يبرز المقترح المغربي للحكم الذاتي باعتباره الأرضية الأكثر قابلية للتنزيل، وليس فقط لكونه يحظى بدعم قوى دولية وازنة، بل لأنه يستند على دينامية داخلية قائمة بالفعل في مدن الصحراء المغربية. فهذه المدن لم تعد فضاء ينتظر الحل، بل فضاء يصنع معالمه التنموية والسياسية كل يوم، من موانئ إستراتيجية و بنى تحتية حديثة و أقطاب جامعية ومراكز إستثمارية، ومجالس منتخبة يتولى تدبيرها أبناء المنطقة أنفسهم في إطار جهوية متقدمة تعد مختبر عملي لمضامين الحكم الذاتي المرتقب.
إن قراءتنا الاستشرافية الدقيقة والمتواضعة، تفيد بأن المرحلة المقبلة لن تكون مرحلة إعلان مبادئ عامة بل مرحلة صياغة هندسة مؤسساتية دقيقة، هندسة توزيع واضح للاختصاصات و ضبط للعلاقة بين المركز والجهة، وفق تأطير مالي يضمن الإستقلالية التدبيرية دون المساس بوحدة السيادة، وآليات رقابية توازن بين الحرية والمسؤولية في صناعة القرار المحلي. هنا وبالتحديد يتجلى الفرق بين حكم ذاتي كشعار، وحكم ذاتي كعقد إجتماعي جديد يعيد ترتيب العلاقة بين الدولة والإنسان في الأقاليم الجنوبية على أساس الثقة المتبادلة والنجاعة المؤسساتية.
لقد أثبتت السنوات الأخيرة أن التنمية ليست انتظار لنتيجة تفاوض ،بل أداة إستراتيجية لتعزيز الاستقرار وترسيخ الانتماء. فحين يتولى أبناء الصحراء تدبير الشأن المحلي في الجماعات والجهات، ويشاركون في صناعة القرار الإقتصادي والإجتماعي، فإنهم لا يمارسون وظيفة إدارية فحسب، بل يؤسسون لشرعية ميدانية تتجاوز السجال النظري حول التمثيلية، وهذا المعطى لوحده يضع أي مسار تفاوضي مستقبلي أمام حقيقة واضحة، أن أرض الصحراء تتحرك في إتجاه ترسيخ نموذج مغربي متكامل، قوامه المشاركة والتنمية والتدرج المؤسساتي.
وإذا كان لقاء مدريد قد أعاد تثبيت الإطار الأممي والإقليمي للنقاش، فإنه في العمق كشف حدود المقاربات المؤجلة وأكد أن الزمن الإجتماعي داخل الأقاليم الجنوبية يسير بوتيرة أسرع من إيقاع الخلافات السياسية. فالرهان اليوم لم يعد حول من يملك حق التمثيل، بل حول من يملك القدرة على تقديم نموذج ناجح في الحكم الرشيد. ومن هذا المنطلق فإن المغرب يدخل مرحلة التدقيق القانوني والتقني للحكم الذاتي من موقع الفاعل لا المنتظر، ومن موقع من راكم منجزات ميدانية لا من يكتفي بإنتاج خطاب متجاوز تاريخيا.
إن الأفق الأمثل للتنزيل يقتضي الانتقال من منطق “حل النزاع” إلى منطق “تثبيت الاستقرار المستدام”، وهو أمر لا يتحقق إلا عبر تعميق اللامركزية وتوسيع الإختصاصات الجهوية و تمكين النخب المحلية من أدوات القرار والرقابة، وربط المسؤولية بالمحاسبة في إطار مؤسساتي واضح المعالم. كما يقتضي كل حوار داخي حول التنزيل مواصلة الإستثمار في الإنسان الصحراوي، من خلال التعليم والتكوين و التشغيل، حتى يصبح الحكم الذاتي تعبير عن نضج إجتماعي قبل أن يكون مجرد نص قانوني وتقني.
ونرى من هذا المنطلق أن الحكم الذاتي لا يختزل في كونه تسوية سياسية فالصحراء في مغربها والمغرب في صحرائه، بل باعتباره تتويج لمسار طويل من إعادة بناء الثقة وترجمة عملية لفكرة الدولة القوية بوحدتها من ريفها إلى صحرائها، والمرنة في تدبير تنوعها. إن المستفيد من هذا المسار ليس فئة ولا جهة، بل وطن بأكمله يعزز موقعه الإقليمي كبوابة نحو إفريقيا وكقوة صاعدة دوليا، ويؤكد أن مقاربة التنمية المندمجة قادرة على تحويل مناطق النزاع إلى منصات إستقرار وإشعاع.
ختاما، إننا أمام لحظة مفصلية تتطلب يقظة سياسية عالية، وحكمة في الصياغة وضبط المفاهيم، وجرأة في التنفيذ والتنزيل. فالتاريخ لا يمنح الفرص مرتين والتحولات الإقليمية المتسارعة تجعل من تنزيل الحكم الذاتي وفق رؤية مغربية دقيقة وإستبصارية ضرورة إستراتيجية لا مجرد خيار مؤجل. وبين دينامية الداخل وإشارات الخارج، يتشكل أفق جديد للصحراء المغربية، أفق يعيد تعريف العلاقة بين الدولة ومواطنيها على أساس الشراكة، ويحول الحكم الذاتي من مبادرة مطروحة على طاولة التفاوض إلى واقع مؤسساتي راسخ في الميدان.
د/ الحسين بكار السباعي
محلل سياسي وإستراتيحي .






