أخبار الدارأخبار دوليةسلايدر

من ثورة ضد التوريث إلى توريث الثورة؟ ماذا يعني صعود مجتبى خامنئي إلى منصب المرشد

الدار/ مريم حفياني

تم تعيين مجتبى خامنئي مرشداً أعلى للجمهورية الإسلامية لايران، خلفاً لوالده علي خامنئي، في خطوة غير مسبوقة منذ قيام النظام الإيراني بعد الثورة الإيرانية 1979. هذا التطور لا يُنظر إليه على أنه مجرد انتقال للسلطة، بل كحدث سياسي يعيد فتح النقاش حول طبيعة الحكم في إيران ومستقبل نظام “ولاية الفقيه”.

فعلى مدى أكثر من أربعة عقود، قدمت الجمهورية الإسلامية نفسها كنظام ثوري كسر تقاليد الحكم الوراثي التي ميزت عهد الشاه. غير أن انتقال أعلى منصب في الدولة من الأب إلى الابن يضع هذا الخطاب أمام اختبار صعب، ويثير تساؤلات عميقة حول ما إذا كانت إيران تشهد تحوّلاً تدريجياً نحو نموذج سياسي مختلف، تتداخل فيه الشرعية الدينية مع منطق الاستمرارية العائلية داخل مراكز السلطة.

ورغم أن الدستور الإيراني يمنح مجلس خبراء القيادة صلاحية اختيار المرشد الأعلى، فإن كثيراً من المراقبين يرون أن القرار في مثل هذه اللحظات المفصلية يتأثر بشكل كبير بموازين القوة داخل النظام، حيث تلعب المؤسسات الأمنية والعسكرية دوراً محورياً، وفي مقدمتها الحرس الثوري الإيراني الذي تحول خلال العقود الأخيرة إلى أحد أهم الأعمدة التي يقوم عليها النظام السياسي في طهران.

ولسنوات طويلة ظل مجتبى خامنئي شخصية مؤثرة في الكواليس أكثر منه في الواجهة. فالرجل لم يشغل مناصب حكومية رسمية بارزة، لكنه ظل حاضراً في الدائرة الضيقة لصناعة القرار، حيث تشير تقارير عديدة إلى أنه كان يتمتع بنفوذ ملحوظ داخل المؤسسات الأمنية والدينية، وأنه لعب أدواراً غير معلنة في إدارة ملفات حساسة داخل الدولة.

هذا النفوذ غير الرسمي، إلى جانب علاقاته القوية مع دوائر الحرس الثوري، جعل اسمه يتردد باستمرار في النقاشات المتعلقة بخلافة والده. ومع تعيينه مرشداً أعلى، يبدو أن النظام الإيراني اختار الاستمرار ضمن منظومة السلطة نفسها التي تشكلت خلال العقود الماضية، بما يضمن الحفاظ على التوازنات الداخلية في مرحلة إقليمية ودولية شديدة التعقيد.

غير أن هذا التحول قد يفتح أيضاً الباب أمام انتقادات داخلية وخارجية، خاصة من قبل من يرون في هذه الخطوة ابتعاداً عن المبادئ التي قامت عليها الثورة الإيرانية بقيادة روح الله الخميني. فالثورة التي رفعت شعار إسقاط الحكم الوراثي تجد نفسها اليوم أمام واقع سياسي يضع ابن المرشد في أعلى هرم السلطة.

كما يتوقع العديد من المحللين أن تعكس هذه المرحلة الجديدة توجهاً نحو مزيد من التشدد في السياسات الداخلية والخارجية. فالقرب المعروف لمجتبى خامنئي من التيار المحافظ المتشدد قد يعني استمرار النهج الصارم في التعامل مع المعارضة الداخلية، إلى جانب الحفاظ على السياسات الإقليمية التي جعلت إيران لاعباً مؤثراً في العديد من ملفات الشرق الأوسط.

لا يقتصر معنى هذا التغيير على شخص المرشد الجديد فحسب، بل يمتد إلى طبيعة النظام السياسي الإيراني نفسه. فإيران تقف اليوم أمام لحظة مفصلية قد تحدد شكل السلطة فيها لسنوات طويلة، بين خطاب ثوري تأسس على رفض التوريث السياسي، وواقع جديد قد يُنظر إليه باعتباره انتقالاً تدريجياً من “ثورة دينية” إلى نظام أكثر انغلاقاً تحكمه شبكات النفوذ العائلية والمؤسسات الأمنية.

زر الذهاب إلى الأعلى