تيميتار يودّع جمهوره بليلة لبنانية أمازيغية تحتفي بالتنوع الموسيقي

لم تكن الليلة الأخيرة من مهرجان تيميتار مجرد محطة لإسدال الستار على دورته الحادية والعشرين، بل جاءت خلاصة فنية لثلاثة أيام عاشت خلالها مدينة أكادير على إيقاعات موسيقية متعددة. ففي ساحة الأمل ومسرح الهواء الطلق، تعاقبت أصوات وتجارب جمعت الأغنية اللبنانية بالموسيقى الأمازيغية وفن كناوة، في ختام احتفالي حافظ على روح المهرجان حتى اللحظات الأخيرة.

وقبل انطلاق الحفلات، بدأت الحركة تتكثف تدريجياً في محيط ساحة الأمل، حيث توافدت الأسر والشباب ومجموعات الأصدقاء لحجز أماكنهم أمام المنصة. ومع تقدم ساعات المساء، امتلأ الفضاء بجمهور متنوع جاء لمتابعة راغب علامة وحميد القصري ومجموعة أودادن، في سهرة جمعت ثلاثة عوالم موسيقية مختلفة.
وكان لكل فنان جمهوره ولحظته الخاصة؛ إذ حمل راغب علامة إلى منصة تيميتار أجواء الحفلات العربية الكبرى، مستنداً إلى رصيد فني يعرفه الجمهور ويتفاعل معه منذ سنوات. وردد الحاضرون عدداً من أعماله، فيما حافظ الفنان اللبناني على تواصل مستمر مع جمهور ساحة الأمل.

وجاء عرض المعلم حميد القصري بإيقاع مختلف، أعاد إلى الواجهة قوة الموسيقى الكناوية وحضورها على المنصات الجماهيرية. وبصوته وأسلوبه المعروف، نقل السهرة إلى أجواء امتزجت فيها الإيقاعات المتصاعدة بالتفاعل الجماعي، مؤكداً قدرة فن كناوة على مخاطبة جمهور واسع ينتمي إلى أجيال متعددة.

أما مجموعة أودادن، فلم تكن بحاجة إلى وقت طويل لاستمالة جمهور أكادير. فمنذ بداية عرضها، ظهرت العلاقة الخاصة التي تجمعها بعشاق الموسيقى الأمازيغية في سوس، حيث ردد الحاضرون أغاني المجموعة وتفاعلوا مع إيقاعاتها، في مشهد أعاد التأكيد على المكانة التي تحتلها أودادن في الذاكرة الفنية للمنطقة.
وحضرت فرق أحواش الجنوب الكبير بدورها في ليلة الاختتام، مضيفة إلى السهرة بعداً تراثياً واضحاً. ولم يقتصر حضورها على تأثيث فقرات الحفل، بل شكل امتداداً للهوية الأمازيغية التي حافظ عليها تيميتار منذ انطلاقه. ومنحت الرقصات الجماعية والإيقاعات التقليدية والأزياء المميزة منصة ساحة الأمل مشاهد احتفالية استقبلها الجمهور بتفاعل لافت.

وعلى بعد مسافة من ساحة الأمل، عاش مسرح الهواء الطلق أجواء مختلفة، أكثر هدوءاً وقرباً من الفنانين. هناك، تعاقبت على المنصة الفنانة اللبنانية عبير نعمة والفنانتان الأمازيغيتان فاطمة تبعمرانت وفاطمة تشتوكت، من خلال عروض مستقلة أبرزت تنوع الأصوات والألوان الموسيقية التي ميزت الليلة الأخيرة.

وقدمت عبير نعمة عرضاً اعتمد على قوة الصوت ودقة الأداء، أمام جمهور بدا منصتاً إلى التفاصيل الموسيقية. واستطاعت الفنانة اللبنانية أن تفرض حضورها داخل فضاء ينسجم مع طبيعة تجربتها، مستندة إلى قدرتها على التنقل بين ألوان موسيقية متعددة تجمع بين الأصالة والاشتغال المعاصر.
في المقابل، حملت فاطمة تبعمرانت إلى المسرح صوت سوس وشعرها وذاكرتها. ولم يكن تفاعل الجمهور معها مرتبطاً بالأغاني وحدها، بل أيضاً بما تمثله من حضور فني وثقافي داخل الأغنية الأمازيغية، باعتبارها من أبرز الوجوه التي وظفت الكلمة والشعر للدفاع عن اللغة والهوية وقضايا المجتمع.

كما أضفت فاطمة تشتوكت على الأمسية لوناً أمازيغياً شعبياً مميزاً، من خلال عرض استحضر إيقاعات سوس وروح فن الروايس، وحظي بتفاعل واضح من الجمهور. وقد أكمل حضورها إلى جانب فاطمة تبعمرانت صورة الغناء الأمازيغي النسائي بتجاربه وأساليبه المتنوعة.

ومنحت برمجة عبير نعمة وفاطمة تبعمرانت وفاطمة تشتوكت في الأمسية نفسها بعداً لبنانياً أمازيغياً واضحاً، دون افتعال مزج بين التجارب الثلاث. فلكل فنانة أسلوبها ولغتها الموسيقية، غير أن حضورهن في ليلة واحدة أتاح للجمهور الانتقال بين عوالم فنية مختلفة، وأظهر قدرة تيميتار على بناء التنوع من خلال الاختلاف مع الحفاظ على خصوصية كل تجربة.
وكان هذا التنوع أبرز ما ميز ليلة الختام؛ ففي أمسية واحدة، تنقل الجمهور بين الأغنية العربية والموسيقى الأمازيغية وفن كناوة وأحواش، دون أن تبدو البرمجة بعيدة عن هوية المهرجان أو عن شعاره القائم على استقبال الفنانين الأمازيغ لموسيقى العالم.

وبين الحشود التي ملأت ساحة الأمل والجمهور الذي اختار الأجواء الحميمية لمسرح الهواء الطلق، عاشت أكادير ليلة فنية طويلة. ومع انتهاء آخر العروض، غادر الجمهور فضاءات المهرجان على إيقاعات مختلفة، اجتمعت جميعها في صورة واحدة: تيميتار يحتفي بجذوره الأمازيغية، ويفتح منصاته في الوقت نفسه أمام أصوات وتجارب موسيقية قادمة من آفاق أخرى




