سبتة تحت الضغط.. كيف تحولت شائعة قانونية إلى أكبر موجة هجرة جماعية نحو الثغر المحتل؟

أحمد البوحساني
شهدت الحدود المغربية الإسبانية، خاصة بمدينة سبتة المحتلة، واحدة من أكبر موجات الهجرة غير النظامية خلال السنوات الأخيرة، بعدما حاول عشرات الآلاف من الأشخاص الوصول إلى المدينة خلال أقل من أربع وعشرين ساعة، في مشهد أعاد إلى الواجهة ملف الهجرة السرية بكل أبعاده الأمنية والقانونية والسياسية والإنسانية.
وتُعد سبتة ومليلية والجزر الجعفرية أجزاءً من التراب المغربي لا تزال خاضعة للاحتلال الإسباني، وهو موقف ثابت تؤكد عليه المملكة المغربية، في مقابل تمسك مدريد باعتبارها جزءاً من أراضيها.
وأثارت هذه التطورات تساؤلات عديدة حول الأسباب الحقيقية التي تقف وراء هذه الموجة غير المسبوقة، وما إذا كانت نتيجة ظرف أمني عابر، أو انعكاساً لتطورات قانونية داخل إسبانيا، أو ثمرة نشاط منظم لشبكات الاتجار بالبشر التي استغلت أوضاعاً استثنائية للتحريض على العبور الجماعي.
خطاب ملكي يدعو إلى تعزيز الثقة:
جاءت هذه الأحداث تزامنا مع احتفالات المغاربة بالذكرى 27 لعيد العرش ، حيث دعا صاحب الجلالة الملك محمد السادس في خطاب العرش إلى ترسيخ روح الثقة والتفاؤل، محذراً من انتشار خطابات اليأس والإحباط.
وأكد جلالته أن المغرب يعيش مرحلة تنموية مفصلية تتطلب تعزيز الأمل والثقة في المستقبل، مستنداً إلى ما حققته المملكة من استقرار وإصلاحات ومشاريع تنموية كبرى.
ويرى عدد من المتابعين أن هذه الرسائل تكتسب أهمية خاصة في ظل تنامي محاولات الهجرة غير النظامية، التي تعكس لدى فئة من الشباب حالة من الإحباط والبحث عن فرص أفضل خارج الوطن، رغم المخاطر الكبيرة التي ترافق تلك الرحلات.
لماذا اندلعت الأزمة؟
يصعب اختزال ما جرى في سبب واحد، إذ تتقاطع عدة عوامل تفسر هذه الموجة الجماعية. حيث يرى عدد من المحللين أن الأسباب مختلفة يمكن وضعها في ثلاث فرضيات :
الأولى هي فرضية الظرف الأمني :
يرى بعض المتابعين أن تزامن الأحداث مع احتفالات عيد العرش وما رافقها من تعبئة أمنية واسعة ربما خلق فراغاً مؤقتاً استغلته مجموعات كانت تستعد منذ مدة لمحاولة العبور.
كما أن العديد من المرشحين للهجرة لم يكونوا مغاربة فقط، بل ينحدرون أيضاً من جنسيات مختلفة، ما يعكس وجود استعدادات مسبقة لاستغلال أي فرصة تسمح بالوصول إلى الضفة الأوروبية.
الثانية تتجلى في الحكم القضائي الإسباني :
يعتبر كثير من المحللين أن العامل الأكثر تأثيراً كان القرار الصادر عن المحكمة العليا الإسبانية في يوليو الماضي بشأن كيفية التعامل مع الأشخاص الذين يصلون سباحة إلى سبتة أو مليلية.
ورغم أن الحكم لا يمنع ترحيل المهاجرين، فإنه ألغى إمكانية إعادتهم بشكل فوري في بعض الحالات، ما فتح الباب أمام تأويلات مغلوطة على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث روجت شبكات تهريب البشر لفكرة أن الوصول سباحة يمنح فرصة أكبر للبقاء داخل الأراضي الإسبانية، وهو تفسير لا يعكس حقيقة الوضع القانوني.
ويرى متابعون، من بينهم الصحفي الإسباني إغناسيو سيمبريرو، أن هذه التأويلات انتشرت بسرعة في شمال المغرب، وأسهمت في تشجيع آلاف الشباب على خوض المغامرة.
الفرضية الثالثة ، قراءة سياسية :
في المقابل، ربطت بعض الأصوات داخل إسبانيا ما جرى بطبيعة العلاقات المغربية الإسبانية، معتبرة أن موجات العبور الجماعي قد تُستغل كورقة ضغط سياسية.
غير أن هذا الطرح لا يحظى بإجماع، خصوصاً في ظل التحسن الكبير الذي عرفته العلاقات الثنائية منذ دعم مدريد لمبادرة الحكم الذاتي المغربية، وما تبعه من تعزيز التعاون في مجالات الأمن والهجرة والاستثمار، وهو ما يجعل فرضية التصعيد السياسي أقل ترجيحاً مقارنة بما حدث خلال أزمة سنة 2021.
مدريد تحمل المسؤولية لشبكات التهريب:
تبنت الحكومة الإسبانية تفسيراً مغايراً، إذ حمّل رئيس الوزراء بيدرو سانشيز ووزير الداخلية فرناندو غراندي مارلاسكا المسؤولية لشبكات الاتجار بالبشر، مؤكدين أنها نشرت معلومات مضللة دفعت آلاف الشباب إلى محاولة العبور.
وأكد وزير الداخلية الإسباني أن المغرب لا يتحمل أي مسؤولية فيما جرى، واصفاً الرباط بـ”الشريك الموثوق”، مشيراً إلى أن التعاون الأمني الوثيق بين البلدين مكّن من احتواء الوضع وإعادة أعداد كبيرة من المهاجرين، مع استمرار التنسيق لتفكيك شبكات التهريب وملاحقة المتورطين في تنظيم عمليات العبور الجماعي.
مافيات الهجرة… المستفيد الأول من الأزمة :
تكشف المعطيات المتوفرة أن شبكات الاتجار بالبشر لعبت دوراً محورياً في تأجيج موجة العبور الجماعي نحو سبتة، مستغلة هشاشة الأوضاع الاجتماعية لدى عدد من الشباب، إلى جانب تداول معلومات مضللة عبر مواقع التواصل الاجتماعي بشأن إمكانية البقاء داخل الأراضي الإسبانية بمجرد الوصول سباحة إلى المدينة.
وتعتمد هذه الشبكات على استغلال أي تطور قانوني أو ظرف أمني، قبل أن تشرع في تعبئة الراغبين في الهجرة وتنسيق عمليات العبور الجماعي في توقيت واحد، بما يصعب من مهمة السلطات في احتواء التدفقات البشرية.
وتؤكد كل من الرباط ومدريد أن مكافحة هذه الشبكات أصبحت أولوية مشتركة، في ظل استمرار التنسيق الأمني والاستخباراتي لتفكيك امتداداتها والحد من أنشطتها.
إجراءات إسبانية لاحتواء الوضع :
في مواجهة هذه التطورات، أعلنت الحكومة الإسبانية حزمة من التدابير الاستعجالية، شملت تعزيز المراقبة الأمنية ونشر عوامات بحرية قرب نقاط العبور، إلى جانب تسريع إجراءات إعادة المهاجرين الذين دخلوا بطريقة غير نظامية.
وأكد رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز أن حكومته ستسخر جميع الإمكانات المتاحة لضمان أمن سبتة، مع مواصلة التعاون الوثيق مع المغرب، معتبراً أن شبكات الاتجار بالبشر تقف وراء هذه الموجة غير المسبوقة.
كما شددت مدريد على أن الهدف من هذه الإجراءات هو منع استغلال الثغرات القانونية والحد من تكرار محاولات العبور الجماعي مستقبلاً.
من حلم الوصول إلى أوروبا… إلى صدمة الواقع :
بعد ساعات قليلة من وصولهم إلى سبتة، اصطدم عدد كبير من المهاجرين بحقيقة مغايرة لما كانوا يتوقعونه.
فالوصول إلى المدينة لا يعني الوصول إلى التراب الأوروبي القاري، إذ تخضع عملية الانتقال إلى شبه الجزيرة الإيبيرية لإجراءات أمنية صارمة، بينما وجدت المدينة نفسها أمام ضغط غير مسبوق على مرافقها وخدماتها، ما جعل ظروف الإقامة بالغة الصعوبة.
وأفادت وسائل إعلام إسبانية بأن أعداداً متزايدة من المهاجرين، بينهم قاصرون، بدأوا يتجمعون عند معبر “تراخال” مطالبين بالعودة إلى المغرب، بعدما تبين لهم أن البقاء في سبتة لا يفتح تلقائياً باب العبور نحو أوروبا.
كما تحدث عدد من العائدين عن ظروف صعبة عاشوها داخل المدينة، مؤكدين أن الواقع كان مختلفاً تماماً عن الصورة التي روجت لها شبكات التهريب، وهو ما دفع كثيرين إلى اختيار العودة الطوعية أو الاستفادة من عمليات الإرجاع التي تمت في إطار التعاون المغربي الإسباني.
أزمة تتجاوز حدود سبتة :
أعادت هذه الأحداث فتح النقاش حول الهجرة غير النظامية في غرب البحر الأبيض المتوسط، باعتبارها ظاهرة معقدة تتداخل فيها الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والقانونية والأمنية.
ورغم أن الإجراءات الأمنية قد تنجح في الحد من محاولات العبور خلال المدى القريب، فإن التجارب السابقة تؤكد أن المقاربة الأمنية وحدها لا تكفي لمعالجة الظاهرة، ما دامت شبكات الاتجار بالبشر تواصل استغلال هشاشة الأوضاع الاجتماعية ونشر الأوهام بين الراغبين في الهجرة.
كما يبرز استمرار التنسيق المغربي الإسباني باعتباره أحد أهم عناصر تدبير هذا الملف، في وقت تواجه فيه الضفة الغربية للمتوسط تحديات متزايدة مرتبطة بالهجرة والأمن والتنمية.
سبتة… ملف سيادي بالنسبة للمغرب :
وتبقى سبتة ومليلية والجزر الجعفرية، بالنسبة للمغرب، أجزاءً من ترابه الوطني لا تزال خاضعة للاحتلال الإسباني، وهو موقف ثابت تؤكد عليه المملكة في مختلف المحافل، بينما تتمسك إسبانيا بسيادتها على هذه المناطق.
وفي الوقت نفسه، يواصل البلدان تطوير تعاونهما في ملفات الهجرة والأمن ومكافحة الإرهاب، في إطار شراكة استراتيجية شهدت تطوراً ملحوظاً خلال السنوات الأخيرة.
تكشف أحداث سبتة أن الهجرة غير النظامية لم تعد مجرد قضية حدود، بل أصبحت انعكاساً لتحديات تنموية واجتماعية وأمنية متشابكة، تستغلها شبكات إجرامية تحقق أرباحاً على حساب أحلام الشباب وأرواحهم.
كما تؤكد هذه الأزمة أن مواجهة الظاهرة لا يمكن أن تقتصر على تشديد المراقبة الحدودية، بل تتطلب معالجة الأسباب العميقة التي تدفع آلاف الشباب إلى المجازفة بحياتهم، إلى جانب تعزيز التعاون الإقليمي والدولي لمحاربة شبكات الاتجار بالبشر.
وفي هذا السياق، تظل التصريحات التي أدلى بها وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، ناصر بوريطة، قبل سنوات، حين أكد أن “المغرب ليس شرطياً لأوروبا ولا حارساً لحدودها”، معبرة عن المقاربة المغربية في تدبير ملف الهجرة، القائمة على الشراكة وتقاسم المسؤولية والاحترام المتبادل،






