خطاب «الاسترداد» يعود من إسبانيا.. دعوات لتنصير المغرب تكشف بقايا عقلية استعمارية

الدار/ سارة الوكيلي
أعادت تصريحات منسوبة إلى الكاهن الإسباني خافيير أيثبون، راعي كنيسة في بلدة هوارتي وعضو مجلس كهنة كاتدرائية بامبلونا، فتح ملف الخطابات المتشددة التي تستحضر صفحات الصراع الديني في تاريخ شبه الجزيرة الإيبيرية، بعدما دعا إلى ما سماه “استكمال الاسترداد” و”تنصير المغرب”، مستحضراً الملكة إيزابيلا الكاثوليكية باعتبارها صاحبة مشروع لم يكتمل.
ولم تُستقبل هذه التصريحات باعتبارها مجرد رأي ديني معزول، بل أثارت موجة واسعة من الانتقادات داخل الأوساط السياسية والإعلامية الإسبانية، بالنظر إلى ما تحمله من مضامين تدعو إلى إحياء مفاهيم ارتبطت بالحروب الدينية والتوسع الإمبراطوري، في وقت تقوم فيه العلاقات الدولية على احترام سيادة الدول والتعايش بين الشعوب والأديان.
وتكشف هذه الواقعة أن بعض الأصوات في إسبانيا لا تزال أسيرة روايات تاريخية تعود إلى قرون مضت، وتتعامل مع المغرب بمنطق الهيمنة والصدام الحضاري، رغم أن المملكة المغربية أصبحت اليوم شريكاً استراتيجياً لإسبانيا والاتحاد الأوروبي في ملفات الأمن والهجرة ومكافحة الإرهاب والتعاون الاقتصادي.
استحضار شعارات “الاسترداد” في الخطاب العام لا يعكس فقط حنيناً إلى الماضي، بل يكشف أيضاً عن عجز بعض التيارات المتطرفة عن التكيف مع التحولات التي شهدتها العلاقات المغربية الإسبانية، والتي انتقلت خلال السنوات الأخيرة إلى مرحلة من التعاون البراغماتي المبني على المصالح المشتركة.
كما تبدو هذه الدعوات في تناقض واضح مع التوجه الرسمي للكنيسة الكاثوليكية، التي كرست منذ عقود مبدأ الحوار بين الأديان ونبذ خطابات الكراهية، وجعلت من التقارب مع العالم الإسلامي أحد ثوابتها الدبلوماسية والروحية، وهو ما يجعل مثل هذه التصريحات أقرب إلى مواقف فردية لا تعبر عن المؤسسة الكنسية.
المغرب، الذي راكم تجربة طويلة في ترسيخ نموذج يقوم على التعايش الديني وحماية الموروثين الإسلامي واليهودي، لا يمكن اختزاله في الخطابات الأيديولوجية التي تستدعي صراعات القرون الوسطى، معتبرين أن مثل هذه الدعوات لا تخدم سوى تأجيج التوتر وإحياء انقسامات لفظها التاريخ.
وفي انتظار موقف رسمي من السلطات الكنسية الإسبانية، تبقى هذه القضية مؤشراً على أن بعض الخطابات المتطرفة لا تزال تحاول توظيف الدين والتاريخ لإنتاج عداوات جديدة، في وقت تتجه فيه المنطقة إلى تعزيز الشراكات وبناء علاقات قائمة على الاحترام المتبادل، بعيداً عن أوهام الإمبراطوريات القديمة وشعارات لم يعد لها مكان في عالم اليوم.






