أخبار الدارسلايدر

المغرب يفرض إيقاعه في مدريد.. البرلمان الإسباني يدخل على خط تصريحات وهبي

الدار/ إيمان العلوي

دخلت العلاقات المغربية الإسبانية مرحلة جديدة من التجاذب السياسي، بعدما انتقل النقاش داخل إسبانيا من التصريحات والمواقف السياسية إلى المؤسسة البرلمانية، في خطوة تعكس حجم الاهتمام الذي باتت تحظى به مواقف الرباط داخل المشهد السياسي الإسباني.

وفي هذا السياق، بادر الحزب الشعبي الإسباني إلى توجيه أسئلة رسمية إلى حكومة بيدرو سانشيز، مطالبًا بتوضيحات حول التصريحات الأخيرة لوزير العدل المغربي عبد اللطيف وهبي، ولا سيما ما يتعلق بإمكانية تعليق اتفاقية تسليم المطلوبين بين المغرب وإسبانيا. ويكشف هذا التحرك، في جانب منه، عن تنامي القلق داخل أوساط المعارضة الإسبانية من تداعيات أي توتر مع الرباط على ملفات التعاون الأمني والقضائي بين البلدين.

وتحمل تصريحات وهبي، بهذا المعنى، وزنًا سياسيًا يتجاوز حدود التصريح نفسه، لأنها جاءت في سياق علاقة مغربية إسبانية باتت أكثر توازنًا خلال السنوات الأخيرة، بعدما تمكنت الرباط من تعزيز موقعها التفاوضي في عدد من الملفات ذات الاهتمام المشترك.

ويبدو أن انتقال الملف إلى البرلمان الإسباني لا يعكس بالضرورة قوة الضغط على المغرب، بقدر ما يكشف عن حجم اعتماد مدريد على التعاون مع الرباط، خصوصًا في القضايا المرتبطة بالأمن والهجرة ومكافحة الجريمة والتعاون القضائي. فحين يصبح احتمال تعليق آلية من آليات التعاون القضائي موضوعًا لسؤال برلماني، فإن ذلك يؤكد حساسية الدور الذي يلعبه المغرب في المنظومة الأمنية والقضائية المرتبطة بإسبانيا.

كما أن طبيعة الملفات التي بدأت تتقاطع في هذا النقاش تكشف أن العلاقة بين البلدين لم تعد تُدار بمنطق أحادي الجانب. فالقضايا المرتبطة بسبتة ومليلية، وملف القاصرين، والتعاون القضائي وتسليم المطلوبين، أصبحت مترابطة ضمن معادلة سياسية أوسع، تتطلب من مدريد حسابات دقيقة في التعامل مع الرباط.

ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة التحرك البرلماني للحزب الشعبي باعتباره محاولة للضغط على حكومة سانشيز أكثر مما هو ضغط مباشر على المغرب. فالمعارضة الإسبانية تسعى إلى مساءلة الحكومة حول طريقة إدارتها للعلاقة مع الرباط، ومدى استعدادها للتعامل مع تداعيات أي خلاف قد يطال ملفات التعاون الأمني والقضائي.

وتزداد حساسية الموقف بالنسبة إلى حكومة سانشيز بسبب الطبيعة الاستراتيجية للعلاقات المغربية الإسبانية، التي تجعل أي توتر سياسي قابلًا للانعكاس على ملفات تتجاوز الدبلوماسية التقليدية. فالمغرب ليس مجرد شريك إقليمي بالنسبة إلى مدريد، وإنما طرف أساسي في عدد من القضايا التي ترتبط مباشرة بالأمن والاستقرار والمصالح الإسبانية.

وفي الوقت الذي تحاول فيه بعض الأطراف داخل إسبانيا تحويل تصريحات المسؤولين المغاربة إلى مادة للصراع السياسي الداخلي، تبدو الرباط أكثر قدرة على استخدام أوراقها السيادية والقانونية ضمن إطار علاقاتها الثنائية، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بقضايا تعتبرها من صميم اختصاصها الوطني.

ويعكس هذا التطور أيضًا تغيرًا لافتًا في طبيعة العلاقة بين الرباط ومدريد، إذ لم تعد إسبانيا قادرة على إدارة الملفات الخلافية مع المغرب بالأساليب التقليدية نفسها. فالمعادلة الحالية تقوم على المصالح المتبادلة، وعلى إدراك متزايد داخل إسبانيا بأن الحفاظ على قنوات التعاون مع الرباط يظل خيارًا استراتيجيًا يصعب الاستغناء عنه.

ومن ثم، فإن دخول البرلمان الإسباني على خط تصريحات وهبي قد يبدو للوهلة الأولى تطورًا ضاغطًا على المغرب، لكنه يحمل في العمق مؤشرًا آخر: مدى أهمية المغرب بالنسبة إلى حسابات مدريد السياسية والأمنية والقضائية.

وبينما تحاول المعارضة الإسبانية استثمار الملف في مواجهة حكومة سانشيز، يبقى المغرب في موقع يسمح له بالدفاع عن مصالحه والتلويح بأوراق التعاون المتاحة أمامه، خصوصًا في الملفات التي تقوم على المصالح المتبادلة ولا يمكن لطرف واحد أن يتحكم فيها منفردًا.

وعليه، فإن التطور الجديد لا ينبغي قراءته باعتباره أزمة مغربية إسبانية مفتوحة، بل كحلقة إضافية في إعادة تشكيل ميزان العلاقة بين البلدين. ميزان يبدو أن الرباط باتت تتعامل معه بثقة أكبر، مستفيدة من أهمية موقعها ودورها في الملفات الاستراتيجية التي تهم إسبانيا، في وقت تجد فيه حكومة سانشيز نفسها مطالبة باحتواء ضغوط المعارضة من جهة، والحفاظ على شراكة لا تستطيع مدريد تجاهل أهميتها من جهة أخرى.

زر الذهاب إلى الأعلى