أخبار الدارسلايدر

بلاغ الداخلية بشأن دعوات 15 غشت إنتقال إستراتيجي من تدبير ظرفي إلى يقظة أمنية دائمة وتنبيه قانوني لإسبانيا.

كشف التصريح الصادر عن الناطق الرسمي باسم وزارة الداخلية بتاريخ 12 غشت 2026 عن تحول نوعي في مقاربة محاولات العبور الجماعي نحو سبتة ومليلية، البلاغ الذى نرى أنه ليس فقط مجرد تحذير مرتبطة بموعد 15 غشت، بل رسالة ذات أبعاد أمنية وقانونية ودبلوماسية متداخلة، ترمي إلى منع الواقعة قبل حدوثها، وتجفيف مصادر التعبئة الرقمية، وتحميل إسبانيا جزء من المسؤولية السياسية والقانونية عن تدبير تداعيات الهجرة غير النظامية.
فوقوفا على الطبيعة القانونية للبلاغ وحدود أثره نرى أنه عبارة عن تصريح إداري رسمي كاشف عن توجه السلطة التنفيذية، وليس نص تنظيمي منشئ لجرائم أو عقوبات جديدة، رغم أنه وحسب قاعدة تدرج التشريع فلا يمكن للسلطة التنفيذي أن تشرع ما يمكن ان يشكل تقيدا على الحقوق والحريات العامة الإ في حدود التنظيم الذي تفرضه حالة الطوارئ الأمنية أو ضرورة الحفاظ على الصحة العامة كما سبق أن تقرر في حالة انتشار وباء كورونا واعلان حالة الطوارئ الصحية بجميع ربوع المملكة كتقييد مؤقت وإستثنائي للحريات والحقوق خارج ما يسمح به القانون. فللبلاغ قوته سياسية وتوجيهه الإخباري، أما مشروعية التوقيف والمتابعة والعقوبة فتبقى خاضعة حصرا للقانون الجنائي بناء،على مبدأ الشرعية القائم على أنه لا عقوبة ولا جريمة إلا بنص، طبقا لما هو منصوص عليه في قانون المسطرة الجنائية، والقانون رقم 02.03 المتعلق بدخول وإقامة الأجانب والهجرة غير النظامية، والكل تحث رقابة النيابة العامة والقضاء.

إن استعمال البلاغ لعبارة “إعتراض كل من يسعى إلى المشاركة” ينبغي تفسيره من الناحية القانونية بإعتباره تدخل وقائي تجاه أفعال مادية أو مؤشرات جدية ومحددة على الشروع في مخالفة القانون، لا بإعتباره ترخيص بتوقيف الأشخاص لمجرد وجودهم في منطقة معينة أو بسبب آرائهم، أو إنطلاقا من إفتراضات عامة. فكل تقييد للحرية يظل محكوم بالضرورة والتناسب، ولا تتحول النية المجردة أو الفضول أو إعادة نشر محتوى تحريضي بشكل تلقائي إلى جريمة. فالتحريض عبر مواقع التواصل الإجتماعي لا يتحقق بمجرد التعبير عن موقف من الهجرة أو إنتقاد السياسات العمومية، بل يتطلب إثبات محتوى يدعو بصورة جدية ومباشرة إلى إرتكاب فعل يجرمه القانون، مع قيام القصد الجنائي وتحديد الحساب الرقمي أو المحتوى المنشور إلى صاحبه بطريقة تقنية وقانونية سليمة. لذلك يجب حفظ الأدلة الرقمية وفق قواعد المشروعية وسلامة شرعية تسلسل حيازة الدليل الرقمي، وتمكين المشتبه فيهم من ضمانات الدفاع. كما أن قول البلاغ وبالحرف “أشخاص يشتبه في تورطهم و خضعوا للبحث تحت إشراف النيابة العامة،فهو صياغة قانونية سليمة من حيث المبدأ، لأنها لا تقدمهم بإعتبارهم مشتبه فيهم فقط بناءا على قرينة البراءة كمبدأ دستوري. كما أن القراءة الأمنية العميقة
لبلاغ وزارة الداخلية تقوم على خمسة مرتكزات، أولها الردع الاستباقي إذ إختارت الداخلية الإعلان عن الرصد والتوقيف والجاهزية قبل حلول موعد 15 غشت، بما يراد منه إضعاف التعبئة النفسية والرقمية وإقناع المترددين بأن الدعوات مراقبة وأن الإنتقال من مشاركة محتوى التحريض ونشره إلى التنفيذ قد يرتب مسؤولية قانونية صارمة.
وثانيها نقل مركز المواجهة من الحدود إلى المجال الرقمي. فالخطر اليوم وفق منطق البلاغ، لم يعد يبدأ عند السياج أو المعبر وإنما منذ لحظة صناعة محتوى الدعوة ونشرها وتضخيمها. وهذا يعني أن المقاربة المقبلة ستجمع بين الرصد الرقمي والتنسيق المباشر مع النيابة العامة والتواصل الوقائي، والتدخل الميداني. وتالثا العمل على فصل الجاهزية عن تاريخ 15 غشت وهي أهم عبارة أمنية في النص لأنها تفيد أن الوزارة لا تعتبر الدعوات حدث موسمي ينتهي بانتهاء الموعد المذكور، بل نموذج قابل للتكرار أو تغيير التاريخ والمنصة الرقمية والشعارات، فنحن أمام يقظة ممتدة وتقييم متواصل للمخاطر.
ونقف على رابعها وهو إعادة توصيف الظاهرة باعتبارها خطر مركب يمس سلامة الأشخاص والنظام العام، وقد تستفيد منه شبكات الاتجار بالبشر أو جهات تسعى إلى توظيف الهجرة من الناحيتين السياسية والإعلامية. غير أن وصف البلاع للدعوات الموجهة عبر منصات رقمية بأنها مشبوهة أو مجهولة المصدر لا يكفي وحده لإثبات وجود تنظيم إجرامي أو جهة أجنبية وراء العملية، لأنه يظل إحتمال إستخباراتي يحتاج إلى أدلة مادية قبل تحويله إلى إتهام قانوني ومحل متابعة من قبل النيابة العامة.
وليبقى البعد الخامس لذات البلاغ موضوع المقال، هو تقنية إدارة الإتصال المؤسساتي وقت الأزمة فوزارة الداخلية تريد منع الفراغ المعلوماتي الذي يسمح للشائعات والصور القديمة والمعلومات المضللة بتوجيه السلوك الجماعي. ومن المرجح لذلك أن تتجه إلى إصدار تحديثات رسمية سريعة إذا وقعت محاولات فعلية يوم 15 غشت.

ويحمل البلاع رسالة ذكية موجهة إلى دولة إسبانيا تمثل جوهر بعده الدبلوماسي، فالمغرب يؤكد من الناحية العملية أنه يضطلع بمهام المنع والمراقبة والتوقيف وحماية الحدود فمايضمن مسؤوليته المشتركة في تدبير التدفقات، وأن كل شراكة لا يمكن أن تكون أحادية الإتجاه و على إسبانيا معالجة النتائج الموجودة فوق ترابها لرفض المغرب المستمر لعب دور الدركي. وهنا نشير الى معطى مهم وهو المطالبة بإعادة القاصرين المغاربة غير المرفوقين والذي يعود إلى اتفاق 6 مارس 2007 بين المغرب وإسبانيا المنشور وبشكل رسمي في إسبانيا سنة 2013. غير أن هذا الاتفاق لا يقرر الترحيل الجماعي أو الآلي بل ينص على العودة المدعومة والمتفق عليها المسبق بشأن الحالات والأعداد والتحقق من الهوية والوضع العائلي وضمان لم الشمل الفعلي أو تسليم القاصر إلى مؤسسة رعاية إجتماعية وذلك بجعل المصلحة الفضلى للقاصر أساس العملية. وبالتالي فإن عبارة البلاغ الداعية إلى تسريع الإعادة صحيحة من حيث وجود التزام بالتعاون بين الدولتين، لكنها لا تلغي وجوب دراسة كل حالة على حدة. كما أن العراقيل القضائية التي يشير إليها البلاغ ليست كلها عراقيل بيروقراطية قابلة للتجاوز بقرار سياسي فبعضها ضمانات قانونية ملزمة تتعلق بسماع القاصر والتحقق من أسرته وتقييم ظروف إستقباله وإتاحة الحق في الطعن في قرار الترحيل ومنع إعادته إذا لم تكن العودة محققة لمصلحته الفضلى.
وهنا يلزم التمييز بين ملفين خلط البلاغ بينهما من الناحية السياسية دون أن يوحدهما من الجانب القانوني، فإعادة القاصرين الموجودين أصلا في سبتة تخضع لمسطرة فردية ولاتفاق 2007 وقواعد حماية الطفولة. كما أن العودة أو الرفض الفوري عند الحدود يتعلق بالأساس بمن يتم ضبطهم أثناء محاولة تجاوز الحدود، وتؤطره التشريعات الإسبانية والإلتزامات الأوروبية والدولية، مع وجوب توفير الضمانات الخاصة لطالبي الحماية والقاصرين والفئات الهشة. فقد اعتبرت المحكمة الدستورية الإسبانية أن نظام الرفض عند حدود سبتة ومليلية لا يقبل إلا في إطار إحترام حقوق الإنسان والرقابة القضائية والضمانات الخاصة بالفئات المحتاجة إلى الحماية، وعليه فلا يجوز فهم العودة الفورية باعتبارها تفويض مفتوح بالإعادة الجماعية غير المميزة. فما الذي لم يقله البلاغ الرسمي الصادر عن الداخلية؟
إن البلاغ وعلى أهميته الأمنية ،فإنه لم يكشف عدد الموقوفين ولا طبيعة المنشورات موضوع البحث ولا التكييف القانوني الأولي للأفعال، ولا ما إذا كانت هناك صلة ثابتة بين أصحاب الدعوات وشبكات إجرامية منظمة. وهذا الصمت نعتبره ضرورة أمنية لحماية البحث، غير أنه يفرض من الناحية القانونية عدم القفز حين توظيف مفهوم الإشتباه إلى الجزم بوجود مؤامرة أو شبكة إجرامية قبل إعلان نتائج البحث و التحقيق. كما لم يحدد البلاغ المقصود بدقة بالنتائج والآثار الإيجابية لآلية العودة الفورية، ولا الفترة أو الوقائع أو المؤشرات التي تم اعتمادها لقياس نجاعتها. ولهذا تبدو العبارة أقرب إلى موقف تفاوضي موجه إلى إسبانيا منه إلى تقرير قانوني أو إحصائي مكتمل.

إن الإستشراف المحتمل في الأمد الفوري يرجح أن يؤدي البلاغ والحضور الوقائي إلى تقليص حجم المشاركة في محاولات 15 غشت، مع بقاء إحتمال تحركات محدودة أو تغيير أماكن التجمع أو توقيتها. والنجاح الأمني الحقيقي لن يقاس فقط بمنع العبور بل بمنع تعريض الأشخاص للخطر، وضبط التدخل في حدود الضرورة والتناسب، وتفادي تحول الصور المتداولة إلى أزمة حقوقية أو دبلوماسية.فبعد 15 غشت من المرجح أن تتواصل الأبحاث في حق المحرضين الأكثر نشاطا خاصة عبر المنصات الرقمية ، على أن تميز النيابة العامة والقضاء بين التنظيم والتحريض الفعلي، وبين التعبير عن الرأي أو التداول غير المقترن بقصد إجرامي. وأي توسع غير منضبط في المتابعات قد يحقق ردع مؤقت لكنه قد يثير منازعات حول حرية التعبير، ومشروعية الأدلة الرقمية، والتناسب بين الأفعال والتدابير المتخذة..وعلى المستوى المغربي الإسباني، ينتظر أن يتحول البلاغ إلى أساس لمطالبة مدريد بإحياء لجنة تتبع اتفاق 2007، وتسريع تبادل بيانات القاصرين والتحقق من هوياتهم وأسرهم، ووضع بروتوكول تنفيذي يوفق بين سرعة المعالجة وضمانات المصلحة الفضلى. غير أن عودة القاصرين على نطاق واسع تظل غير مرجحة بقرار سياسي جماعي والأقرب هو تنفيذ تدريجي ملف بملف تحت رقابة القضاء الإسباني ومؤسسات حماية الطفولة. أما على المدى المتوسط فالخطر الأكبر هو إنتقال التعبئة من مواعيد معلنة واسعة إلى دعوات متفرقة ومتكررة، مما يفرض موازنة دقيقة بين الرصد المشروع والحفاظ على الحقوق الرقمية. كما أن المعالجة الأمنية مهما بلغت فعاليتها لن تستأصل الظاهرة ما لم تواكبها سياسات موجهة للشباب والقاصرين، وتفكيك الخطاب التضليلي الذي يقدم العبور غير النظامي باعتباره طريق مضمون وتعزيز البدائل الاجتماعية والتعليمية وفرص الهجرة القانونية.

ختاما، يبقى بلاغ وزارة الداخلية ناجح من الزاوية الأمنية من حيث التوقيت والردع وتأكيد إستمرارية اليقظة، كما أنه يكتسي قوة دبلوماسية لأنه نقل النقاش من مسؤولية المغرب المنفردة إلى تقاسم الأعباء مع إسبانيا. غير أنه من زاوية قانونية صرفة لا ينشئ صلاحيات إستثنائية، ولا يبرر توقيف مبني على الإشتباه العام، ولا يجعل كل منشور تحريض مجرم، كما لا يسمح بإعادة القاصرين بصورة جماعية أو تلقائية. وأبرز ما يستشرف منه هو إنتقال المغرب إلى سياسة أمنية دائمة تجاه التعبئة الرقمية المرتبطة بالهجرة، بالتوازي مع ضغط مؤسساتي متزايد على إسبانيا لتفعيل إتفاق إعادة القاصرين وآليات الحدود، وليبقى مدى نجاح هذه العملية الأمنية التي حملها البلاغ رهين بقدرتها على الجمع بين الحزم وفعالية التعاون الثنائي، والإحترام الصارم للضمانات القضائية وحقوق القاصر ومصلحته الفضلى.

د/ الحسين بكار السباعي
محلل سياسي وخبير إستراتيجي
مدير قطب إفريقيا والتعاون الدولي.
المركز الدولي للأمن والهجرة والتنمية

زر الذهاب إلى الأعلى