
الدار/ نعيمة اخزان
من جزيرة ليلى (بيريخيل) إلى صخرة باديس (Peñón de Vélez de la Gomera)، وجزر الحسيمة وشَفَرِين، وصولاً إلى سبتة ومليلية، تنتشر قبالة السواحل المغربية مجموعة من المواقع التي ما زالت تحت السيادة الإسبانية، رغم وجودها الجغرافي الواضح في المجال المغربي. واليوم، يزداد الاهتمام بهذا الملف الذي ظل لعقود أحد أكثر الملفات حساسية في العلاقات المغربية الإسبانية.
وتقدم إسبانيا هذه المواقع باعتبارها جزءاً من أراضيها الوطنية، مستندة إلى وقائع تاريخية تعود إلى قرون، فتشير إلى وجودها في صخرة باديس منذ القرن السادس عشر، وفي الحسيمة منذ القرن السابع عشر، بينما تؤكد أن سبتة ومليلية تشكلان جزءاً من الدولة الإسبانية منذ فترات تاريخية سابقة على قيام الدولة المغربية بصيغتها الحديثة.
لكن من زاوية مغربية، لا تنهي هذه الرواية النقاش، بل تفتحه من أساسه. فالمغرب ينظر إلى هذه المواقع باعتبارها بقايا لحقبة التوسع الأوروبي على السواحل المغربية، ويرى أن وجودها فوق التراب المغربي لا يمكن فصله عن تاريخ طويل من التنافس الاستعماري الأوروبي في شمال إفريقيا.
وتكمن أهمية هذه المواقع بالنسبة إلى إسبانيا في موقعها الاستراتيجي. فهي تقع على مقربة من مضيق جبل طارق وبحر البوران، أي في منطقة تتحرك عبرها كميات هائلة من التجارة البحرية، كما تمثل نقاطاً متقدمة لمراقبة الملاحة والهجرة غير النظامية ومكافحة شبكات التهريب والجريمة المنظمة.
ولهذا السبب، فإن قيمة هذه الصخور والجزر تتجاوز مساحتها الصغيرة بكثير. فالموقع الجغرافي يمنحها أهمية عسكرية وأمنية وجيوسياسية، كما يسمح لإسبانيا بالحضور المباشر على الضفة الجنوبية للبحر المتوسط، في مواجهة الأراضي المغربية.
وتحاول مدريد، منذ سنوات، ترسيخ فكرة أن هذه المواقع أصبحت إسبانية بحكم التاريخ، وأن مرور القرون يجعل مسألة السيادة عليها محسومة. غير أن المنظور المغربي يطرح سؤالاً مختلفاً: هل يكفي مرور الزمن لتسوية قضية ترتبط أصلاً بتاريخ التوسع الأوروبي في شمال إفريقيا؟
الموقف المغربي من سبتة ومليلية والجزر والصخور المحتلة ظل واضحاً في جوهره: الأمر يتعلق بأراضٍ تقع في المجال الترابي المغربي، وأن تسوية هذا الملف ينبغي أن تتم من خلال الحوار والتفاوض، بعيداً عن منطق الأمر الواقع.
ولا يتعلق الأمر فقط بالرمزية الوطنية. فالموقع الجغرافي لهذه المناطق يمنحها أهمية مرتبطة بالمجال البحري والموارد الطبيعية والحدود البحرية، فضلاً عن تأثيرها في التوازنات الاستراتيجية في غرب المتوسط. ومن ثم فإن أي نقاش جدي حول مستقبلها لا يمكن أن يتجاهل المصالح المغربية المرتبطة بالساحل والمياه الإقليمية والموارد المحيطة بهذه المواقع.
أما جزر شَفَرِين، فتقدم مثالاً آخر على المفارقة؛ فهي جزر صغيرة جداً من حيث المساحة، لكنها تتمتع بأهمية بيئية واستراتيجية، وتوجد على مقربة شديدة من الساحل المغربي. وكذلك الحال بالنسبة إلى صخرة الحسيمة وصخرة باديس، اللتين تبدوان على الخريطة كنقاط صغيرة، لكنهما تحملان وزناً سياسياً وتاريخياً يفوق حجمهما بكثير.
وتبقى جزيرة ليلى، أو بيريخيل، المثال الأكثر شهرة على حساسية هذا الملف. فقد كشفت أزمة الجزيرة سنة 2002 أن قضية المواقع الإسبانية القريبة من الساحل المغربي ليست مجرد خلاف تاريخي، بل ملف يمكن أن يتحول في أي لحظة إلى أزمة دبلوماسية حادة بين البلدين.
ومع ذلك، فإن السؤال الأساسي ليس فقط: هل يريد المغرب استعادة هذه المواقع؟ فالموقف المغربي من حيث المبدأ يقوم على عدم التخلي عن المطالبة بالسيادة على أراضيه، بينما يبقى تحديد طريقة وتوقيت معالجة كل ملف مسألة سياسية ودبلوماسية مرتبطة بالظروف الإقليمية والعلاقات الثنائية.
كما أن التحولات التي عرفتها العلاقات المغربية الإسبانية خلال السنوات الأخيرة أظهرت أن الملفات الحساسة يمكن إدارتها من خلال الحوار والتفاهم، بدل تركها تتحول إلى أزمات مفتوحة. ولذلك فإن مستقبل سبتة ومليلية والجزر والصخور المحتلة قد يكون، في نهاية المطاف، جزءاً من نقاش أوسع حول تصفية ما تبقى من الملفات الترابية العالقة بين البلدين.
إن صغر مساحة هذه المواقع لا يعني صغر القضية. فخلف كل صخرة وجزيرة تاريخ طويل من الصراع على النفوذ في شمال إفريقيا، وخلف كل خريطة سؤال حول الحدود والسيادة والذاكرة التاريخية.
وبالنسبة إلى المغرب، يظل جوهر المسألة بسيطاً: الجغرافيا لم تتغير، والتاريخ لا يمكن قراءته من زاوية واحدة، والملفات الترابية العالقة لا تسقط بالتقادم. ولذلك سيبقى ملف سبتة ومليلية والجزر والصخور المحتلة حاضراً في النقاش المغربي، إلى أن تجد الأطراف المعنية صيغة سياسية ودبلوماسية عادلة لتسويته.






