محمد بن عبد القادر ينتقد Antena 3 الإسبانية: كيف أصبح ناشط انفصالي «خبير استراتيجي» في دقائق؟

الدار/ إيمان العلوي
في تدوينة لافتة نشرها على صفحته الخاصة بمنصة «إكس»، فتح الوزير السابق محمد بن عبد القادر نقاشاً حاداً حول الطريقة التي تعاملت بها قناة Antena 3 الإسبانية مع ناشط في جبهة البوليساريو، مؤكداً أن المشكلة لا تكمن في استضافة هذا النوع من الأصوات، وإنما في الطريقة التي يُقدَّم بها صاحبها للجمهور.
وبلغة نقدية مباشرة، يضع بن عبد القادر إصبعه على نقطة جوهرية في العمل الإعلامي: يمكن لأي وسيلة إعلامية أن تستضيف ناشطاً انفصالياً أو ممثلاً عن طرف سياسي، بل يمكن لهذا الناشط أن يكون مصدراً لفهم مواقف الجهة التي يمثلها. لكن ذلك لا يمنحه تلقائياً صفة الخبير المستقل في الجغرافيا السياسية أو الأمن الدولي أو الاستراتيجية العسكرية.
وهنا، بحسب الوزير السابق، تبدأ المشكلة الحقيقية.
فالفرق كبير بين أن تقول للمشاهد: «هذا ناشط في البوليساريو يتحدث عن موقف جبهته»، وبين أن تتركه يظهر كما لو أنه محلل محايد قادر على تفسير نوايا المغرب وتقييم قدراته العسكرية والتنبؤ بخياراته المستقبلية.
ويبدو أن هذا تحديداً هو ما أثار استغراب بن عبد القادر، الذي يرى أن الانتقال من صفة الناشط إلى صورة «الخبير» يمثل نوعاً من الخلط بين الأدوار، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بنزاع سياسي وجيوسياسي شديد الحساسية.
فالناشط في البوليساريو، كما يمكن لأي طرف في نزاع أن يفعل، يستطيع أن يشرح ما تفكر فيه الجبهة وما الذي تدافع عنه. لكن ذلك شيء، وتقديمه باعتباره مصدراً مستقلاً لتفسير ما يخطط له المغرب شيء آخر تماماً.
ومن هنا يبرز السؤال الذي يفرض نفسه على القناة: عندما يُطرح أمام الجمهور سيناريو من قبيل أن المغرب، بعد سبتة ومليلية، قد يتجه نحو جزر الكناري، هل نحن أمام معلومة تستند إلى معطيات وأدلة، أم أمام تقدير سياسي صادر عن طرف له موقف ومصلحة مباشرة في النزاع؟
الفرق بين الأمرين ليس بسيطاً.
فالصحافة المهنية لا تمنع صاحب الموقف من التعبير عن رأيه، لكنها مطالبة بتقديم السياق الذي يسمح للمشاهد بفهم هذا الرأي. من هو المتحدث؟ ما موقعه السياسي؟ لمن يتحدث؟ وما الذي يستند إليه في إطلاق مثل هذه التوقعات؟
إن غابت هذه المعطيات، يصبح المشاهد أمام رواية جاهزة من دون الأدوات التي تمكنه من تقييمها.
وهذا هو جوهر الملاحظة التي يثيرها محمد بن عبد القادر: المشكلة ليست في إعطاء الميكروفون لناشط في البوليساريو، وإنما في إعطائه، إلى جانب الميكروفون، هالة الخبير المستقل.
فوسائل الإعلام تستطيع استضافة جميع الأطراف، وهذا جزء من حرية التعبير والتعددية الإعلامية. لكنها في المقابل مطالبة بالتمييز بين الضيف الذي ينقل موقف جهة سياسية، والخبير الذي يقدم تحليلاً يستند إلى المعرفة والبحث والمعطيات.
كما أن التنبؤات السياسية لا تتحول إلى حقائق استراتيجية لمجرد عرضها على شاشة تلفزيونية، ولا يصبح الخطاب الدعائي تحليلاً مستقلاً بمجرد أن يُمنح وقتاً في برنامج إخباري.
ولعل أبسط قواعد الصحافة تقتضي أن يعرف المشاهد دائماً من يتحدث ومن أي موقع يتحدث.
فالصحفي ليس مطالباً بأن يقول للجمهور ماذا يصدق، لكنه مطالب بأن يمنحه ما يكفي من المعلومات حتى يستطيع بنفسه التمييز بين الخبر والرأي والدعاية والتحليل.
وفي هذه النقطة تحديداً تصبح ملاحظة بن عبد القادر ذات أهمية، لأنها لا تدافع عن منع أي صوت من الظهور، وإنما تطرح سؤالاً مهنياً حول الطريقة التي تُمنح بها المصداقية لهذا الصوت.
لقد عرف الإعلام الإسباني نفسه نماذج كانت تمنح الشخصيات الأكثر غرابة وإثارة للجدل مساحة واسعة للكلام، كما كان يفعل الراحل خيسوس كينتيرو في برامجه الشهيرة. لكن استضافة الشخص لا تعني بالضرورة تبني روايته، كما أن الاستماع إليه لا يعني تحويله إلى مرجع في القضايا التي يتحدث عنها.
يمكن للبوليساريو أن تتحدث، ويمكن لناشط فيها أن يدافع عن مواقفها، ويمكن لأي شخص أن يقدم توقعاته بشأن مستقبل المنطقة.
لكن على الشاشة، هناك مسؤولية أخرى تقع على عاتق المؤسسة الإعلامية: أن تقول للمشاهد بوضوح من هو هذا الشخص، وما الذي يمثله، وما الذي يجعل كلامه رأياً لطرف في النزاع وليس بالضرورة تحليلاً مستقلاً.
وهنا يصبح السؤال الذي يطرحه منشور محمد بن عبد القادر على منصة «إكس» أكثر إلحاحاً:
هل استضافت Antena 3 ناشطاً من البوليساريو لكي يعرف الجمهور ماذا تقول البوليساريو، أم أنها قدمته للمشاهد باعتباره خبيراً ليشرح له ماذا سيفعل المغرب؟
بين السؤالين مسافة كبيرة.
وهي المسافة نفسها التي تفصل بين حرية الصحافة في استضافة مختلف الأصوات، وبين المسؤولية الصحفية في عدم منح الدعاية مظهر الخبرة.






